Posted by: hamede | July 27, 2009

بين حلم مادبا وحقيقة هيوستن

1243_1

عيسى القنصل

منذ اسبوعين وانا اتجول فى شوارع “مادبا” واطرق الأبواب على الجيران والاصحاب أطلب شيئا لا زلت اشتهيه وأحبه من هناك، وقفت في أعلى منحدر شارع حارتنا ورأيت بيت (الخزوز) وطلبت كأس ماء من يد الطبيب “عماد” فرحب بى وأسقاني وانحدرت إلى أسفل الشارع حيث زرت بيت المؤمنة الصابرة (أمل الضباعين) أم هيثم وقبلت يدها اطلب منها ان تصلى لاجلى هذا اليوم قليلا
وشعرت بإبرة الممرضة وهى تسحب الدم منى وانا ملقى هنا فى احدى غرف المستشفى لكنني لم أشعر في الألم لأنني رأيت ام هيثم تحضر لى كاس ماء باردة مع ابتسامة الشجاعة والصبر.

مشيت في شارع “الشهيد نوريس اليعقوب”.. يا إلهي كم تحس بالاختناق في هذه الشارع زحمة فوق العادة وسيارات صغيرة على كل جانب من جوانب الطريق.. ورأيت نفسي ادخل بيت “أم شوقي السلايطة” لتحكي لي برقة صوتها بعض الحكايا عن أمي رحمها الله.. لا زلت اذكر حين دخلنا بيتهم لاول مرة طالبين يد ابنتهم إلى صديق العمر والطفولة “عماد”.

وقبل ان اجلس فى صالون بيتهم المطل على ضوضاء الشارع التجاري شعرت بصوت ممرضه تطلب منى ان افتح فمي لقياس الحرارة وشعرت بها تلف ذراعي لمعرفة ضغط الدم في جسدي.

اعرف أنهم في اهتمام دائم بي ولكن اتركوني أتجول في مدينتي قليلا.

ذهبت إلى كنسية اللاتين جلست لوحدي على كرسي الصلاة وتذكرت طفولتي في مدارس اللاتين بين قدسية الاب جورج سابا وصرامة التعليم من الاستاذ “فؤاد العلامات” رحمهم الله.. كانت طفولة فقر وبساطة ولعب في تراب الحارة والركض من (صيرة الى صيرة).. وقبل ان اجلس فى بهو المدرسة القديمة جاءت ممرضة لتأخذ المزيد من دمى لمعرفة كم خسرت من دماء اثر النزيف الحاد الذى احضرنى الى هنا.

نزلت من ساحة الكنيسة ورأيت مركز الشرطة القديم لعله من أقدم مباني مادبا وبجانبه بيت خالتي المرحومه “ام هاني الفرح” اواه ما أطيب هذه الإنسانية المقدسة والتي رغم مركزها الاجتماعي والمالي لم تتخلى ابدا عن ارتباطها بنا وعطفها على أمي والتي كانت تعاني طوال عمرها من مرض في عيونها لم يعد احد يسكن في هذه القلعة الاثرية سوى طفل من أطفالها، فقد بنى كل من ابنائها بيتا له وتزوج وارتحل.. وأثناء نزولي من ذلك الدرج الحجري القديم سمعت صوت آذان المسجد يدعو الناس إلى الصلاة فعرجت إلى منطقه المسجد أراقب الإيمان كيف يتطور وينمو وكيف فى لحظة واحده يقف الشاري والمشري والغني والفقير والجاهل والمتعلم أمام يدي الله يطلب الرحمة.

لا أدري هل انتهت الصلاة ام لا؟ حيث دخل غرفتي الجراح في وجه الباسم، وكانت في الغرفة ابنتي وابني “عصام” وأعلن لنا في كل بساطة وهدوء نتيجة الفحوصات أنني مصاب في داء السرطان فى الأمعاء، وبدأ يشرح لنا كيف سيجرى العمليه وانه سوف يحدد لي الاثنين القادم موعد للدخول إلى أمعائي وطرد هذا المحتل المتدخل في جسدي أنا.

الرعب الإنساني في نطق هذا المرض يجعلك تتحول من عاصفة امل الى زوبعة خوف ولمجرد ان تتصور انك ملقي على طاولة العمليات بلا قدرة حتى للصلاة بالرحمة ولا طلب ان تلمس يد زوجتك للمرة الأخيرة تجعلك تعود للإيمان.

ورأيتني والدكتور لا يزال يشرح لأطفالي ما الذي سيحدث ومتى ازور قبر ابى فى مقبرة اللاتين القديمة اطلب منه ان يسامحنى ان اخطئت في حقه او حق أخوتي، وزحفت على ركبتي من هناك إلى قبر أمي في المقبرة الجديدة لأطلب منها شمعة باسمي أمام مذبح العذارء لشفائي، وجفلت حين سمعت صوت أمي.. “لا تخف يا أبوعصام ان العذراء ستحميك”.

لا أدري متى ترك الطبيب الغرفة، ولكنني حين عدت من زيارة مقبرة أبي وأمي شعرت في إنهاك جسدي وتعب، لكنه ليس خوفا..

لا أدري ما هو اليوم، وما هو التاريخ، لكنني أرى غرفتي مليئة بالأصدقاء من هنا “هيوستن”، ورأيت الدمعة الصامتة في عيون “ام عصام” زوجتي والدهشة المرتسمة على وجهي ابني والخوف المتراكض على وجه وعيون ابنتي “ايفيث”.

سمعت صرير عجلات نقالة المرضى تنقلني من غرفتي إلى غرفة العمليات، وقالوا شد من عزيمتك فـ”ساره” حفيدتك الأولى قادمة مع ابنتك “نسرين” لرؤيتك…
لمدة أربع أو خمس ساعات كنت بعيدا عن كل شيء حتى الحلم والخيال ومحاولة التذكر كلها تنتهي حين تضع الممرضة فى يديك هذا الدواء الذي ينقلك من إحساسك بما حولك إلى دنيا بعيده عن كل ما هو واقعي ومملوس، ولا أدري من رأيت أول وجه بعد العملية أو أول صوت، لكنني اعلم ان أهلي هنا في “هيوستن”، وأهلي في “مادبا” كانوا معي.

حين يرجعك ألمك وخوفك من مجريات الحياة المتلاحقة إلى نقطة واحدة وانتماء واحد.. حين ترجعك الحقيقة من عالم الصراع والركض وراء لقمة العيش إلى صورة واحدة وحقيقة واحدة تحس بها ترى لحظتها انك لا زلت تعيش ماضيك وتعيش بلدك.

أردت ان أعود للتجوال في شارع العشاق والذي أطلقت أنا عليه هذا اللقب قبل أربعين عاما، وان ازور ساحة البلدية لاشتم رائحة الكنافة واسمع قهقهة صديق العمر والحياة “عماد كرادشة”، وان اذهب لزيارة بيت أختي “أم مهند” أو بيت أختي الضاحكة دوما “أم راكان”، لكن أقدامي واذرعي مقيده بحبال وأنابيب لأدوية كثيرة، وكلما دخلت إلى شارع ذكرى ترجعني ممرضة من ممرضات هذا المستشفى الأمريكي إلى واقع الألم في إبرة ووخزة، ولا أدري كم إبرة اخترقت جسدي منذ دخولي المستشفى إلى الآن.

فاعذريني يا “مادبا” ان لم أتجول في شوارعك كلها، أو لم كل كل الاحبه هناك ولكنني حين أعود أريد ان أشرب كأس شاي في بيت من بيوت العلامات أو أتناول لقمة هريسه مع ابن من ابناء “الطوال”، لكنني الآن أنا في ألم في جنبي ولا استطيع السير كثيرا.. فسوف أعود إلى فراشي وأنام لأحلم في الراحة والشفاء.

التاريخ: 27/7/2009”

http://www.rama.jo/News.aspx?id=1243

Advertisements

Responses

  1. استاذ عيسى صدقني ان دموعي قد انهمرت من ما قرات . مادبا تنتظرك وتنتظر جميع ابنائها ممن هم في المهجر . سوف تعود بصحه وسلامه الى مدينتك لتتجول في ازقتها وحاراتها . فيا عزيزي المستحيل عند الناس غير مستحيل عند الله . الله يشفيك ويشفي كل مريض آمين


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: