Posted by: hamede | August 7, 2009

الصورة والأصل

محمد عمر

يبدو ان حكاية المقارنة بين ما يجري في “المغرب” وما يجري في “الاردن” استهوتني بشدة، بيد ان هذا “الاستهواء” ولدته تطورات تجري حاليا على ارض البلدين…

خلال وجودي في “المغرب” قرأت في صحفها عن عدد من الاضرابات والاعتصامات.

كان اهمها اعتصام “ربابنة” شركة الخطوط الجوية المغربية.

جاء اضراب “الربابنة” في عز الموسم السياحي، وقدرت ادارة الشركة خسائرها بين 50 الى 100 مليون درهم يوميا (الدولار يعادل نحو 7،8 درهم)، هذا عدى عن خسائر المسافرين انفسهم، وقد استمر الاضراب لمدة ثلاثة ايام من 17 الى 20 تموز.

كانت مطالب المضربين تتمثل في المطالبة بتعين “رباننة” جو مغاربة أي مغربة مهنة قائد الطائرة. فالخطوط المغربية لا تعين مغاربة في مهمة قيادة طائراتها. وهي تتحجج بذلك في النقص الشديد في مهنة مساعد قائد الطائرة.

خلال المفاوضات وعدت ادارة الشركة بتأسيس مدرسة لتعليم مهنة مساعد قائد طائرة من اجل تأهيل هؤلاء للحلول محل المساعدين المغاربة الذين سوف ترقيهم الى مهنة “قبطان”.

المفاوضات استمرت بين ادارة الشركة والمضربين الى ان تم التوصل الى تسوية، وكل هذا والخسائر تتراكم على الشركة وحركة النقل معطلة والموسم السياحي يتضرر، ولم تتدخل الدولة ولم يضرب او يعتقل أي من المضربين.

امس، فضت قوات الدرك في الاردن بالقوة المفرطة اعتصام عمال الموانيء وتسببت في اصابة عددا من المعتصمين بينهم حالة حرجة جدا.

وقبل ايام فضت بالقوة اعتصام اهالي قرية الطيبة امام رئاسة الوزراء، وقبلها اعتدت بالضرب الوحشي على عدد من المعتصمين لم يتجاوز المائة شخص امام وزارة الزراعة كانوا يطالبون بوقف استيراد سلع المستوطنات اليهودية.

شقلبة…!

يبدو ان الزمن تغير،،،،

امس، انتهيت من قراءة كتاب “تزممارت، الزنزانة رقم 10“، لمؤلفه احمد المرزوقي، اشتريت الكتاب من بسطة كتب، فهو واحد من اكثر الكتب مبيعا في المغرب.

يتحدث المرزوقي في الكتاب عن تجربة اعتقاله في سجن “تزممارت” الوحشي منذ عام 1971 وحتى عام 1991.

كان المروزقي احد الضباط الذين شاركوا في المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت عام 1971 على الملك الراحل الحسن الثاني.

يدعي المرزوقي انه لم يكن يعلم بالانقلاب وانه شارك كغيره من الضباط والجنود بخديعة ذكية من قائد المحاولة الانقلابية امحمد عبابو واخيه، عندما هاجموا قصر الملك في منطقة “الصخيرات” القريبة من الرباط، حيث نفذت مجزرة رهيبة بحق ضيوف الملك في ذلك اليوم، فيما نجا الملك نفسه باعجوبة.

بعد محاولة “انقلاب الصخيرات“، جرت محاولة اخرى قام بها الجنرال محمد اوفقير عام 1972، وكان اوفقير شغل منصبي وزير الداخلية ووزير الدفاع، وهو احد اكثر المقربين من الحسن الثاني، وقد حاول اوفقير اسقاط طائرة الملك “البوينيغ” اثناء عودت الاخير من زيارة رسمية لفرنسا. لكن قائد الطائرة تمكن من المناورة والهبوط بها في قاعدة عسكرية رغم الاصابات المباشرة في جسم الطائرة.

هذه المحاولات الانقلابية تعامل معها الملك الحسن الثاني بوحشية غير مسبوقة، فزج بكل من تورط بها ولم يتورط بها في اشد السجون المغربية وحشية، خاصة معتقل “تزممارت“.

ومن بين الذين اعتقلوا في محاولة “اوفقير” كل عائلته التي قضت اكثر من 15 عاما في هذا المعتقل، وقد كتبت ابنة اوفقير “مليكة” رواية مؤثرة عن فترة الاعتقال أطلقت عليها عنوان “السجينة“، كما كتبت والدتها، فاطمة اوفقير، رواية اخرى “حدائق الملك“…

الا ان هذا السجن كان يضم ايضا عددا من مناضلي “اليسار” المغربي الذين لم يتورطوا في أي محاولة انقلابة، وبعضهم يتمتع الان بمنصب وزاري بعد تجربة “التداول” الحكومية.

المهم..

فيما كانت عائلة اوفقير معتقلة في “تزممارت” كان احمد المرزوقي معتقلا مع 57 اخرين، وقد مات منهم تحت التعذيب وبسبب قسوة ظروف السجن، التي تفوق الوصف، 20 معتقلا. فيما خرج الباقون بامراض جسدية ونفسية، وفقد اخرون عقولهم.

وقد كانت السلطات المغربية تنكر وجود المعتقل هذا لولا وجود معتقل متزوج من امرأة اميركية نشطت لاخلاء سبيله لدى سفارة بلادها بعد ان علمت بمكان وجوده بعدة عدة سنوات على اعتقاله.

من الصعب بل من المستحيل وصف مدى قسوة عمليات التعذيب التي تعرض لها المعتقلون ومدى همجية ووحشية سجن “تزممارت“.

في المقابل،،،،

عندما كنت في “الرباط” تمكنت من شراء وقراءة كتاب السياسي الاردني ضافي الجمعاني، المعنون:” من الحزب الى السجن، 1948 – 1994“.

ساعود للكتابة عن هذا الكتاب في تدوينة لاحقة، لكن ما اردت ان اكتبه هنا، او، ما لفت نظري هو كيفية تعامل الاردن مع معتقلين “انقلابيين” وكيفية تعامل المغاربة.

المعروف ان الجمعاني كان واحدا من مؤسسي “حركة الضباط الاحرار” في الجيش، وقد اتهمت هذه الحركة بتدبير انقلاب على الملك الراحل حسين عام 1957.

ينكر الجمعاني ان يكون شارك في هذه “المؤامرة الانقلابية”، لا بل ينكر حصول أي محاولة انقلاب على الملك ويلقي بظلال شك كبيرة على دور زميله في الحركة آنذاك الوزير السابق نذير رشيد، الذي حرك قواته في اتجاه “عمان” تحت حجة اجراء مناورة عسكرية تحت مسمى “مناورة هاشم“، هذه المناورة التي ستبقى لغزا في تاريخ الاردن الحديث.وقد ادعى رشيد ان هدف المناورة اجراء احصاء لعدد السيارات الداخلة والخارجة من “عمان” تحسبا لاي حرب قادمة. فيما ادعى قائد انقلاب “الصخيرات” ان هدف “المناورة” محاصرة “عدد من العناصر الثورية التي احتلت قصر الملك“.

كنت كتبت عن هذه المناورة عندما استعرضت كتاب رشيد :” حساب السرايا وحساب القرايا“.

كان الجمعاني ليلة المحاولة الانقلابية على الملك، او ليلة تمرد بعض القوات في بيته، وكان يقوم بنزه مع اطفاله في “وادي الوالة” القريب من مادبا وجبل بني حميدة.

وكانت ليلة التمرد انتهت بمقتل 12 جنديا من الجنود الذين خرجوا في تظاهرة تأييد للملك حسين في مواجهة “الانقلابيين” الذين فتحت عليهم كتيبة المدفعية الثالثة بقيادة الرائد احسان حلواني النار لردعهم عن تاييد الملك.

ولكنه، اتهم مع عدد من الضباط هم: الاخوين محمد ومحمود المعايطة، شاهر اليوسف، احمد زعرور، شوكت الشبول، عصمت رمزي، عبدالله الصعوب، جعفر الشامي، توفيق الحياري، معن ابو نوار، كريم عقلة، تركي الهندواي، عبدالله قاعد ونايف الحديد بتدبير “المحاولة الانقلابية” وحوكم في المحكمة الشهيرة التي تشكلت من عكاش الزبن رئيسا وعضوية عبدالكريم البرغوثي و فواز ماهر وعقيد من العريقات، لا يتذكر الجمعاني اسمه الاول.

مفارقات،،،

كانت “مؤامرة الصخيرات” على الملك الحسن الثاني بدأت بخدعة “المناورة“، وكذلك محاولة نذير رشيد الضباط الاحرار، ضد الملك الراحل حسين. شارك في “مؤامرة الانقلاب الاردنية” الاخوين محمد ومحمود المعايطة، فيما قاد “انقلاب الصخيرات” محمد وامحمد عبابو.

بالمناسبة،

فيما القى الجمعاني بالمسؤولية على رشيد، قام هذا الاخير بالقاء اللوم والتشكيك بدور علي ابو نوار و معن ابو نوار

ما علينا

قضت محكمة امن الدولة الاستثنائية في الاردن باحكام بالاعدام على بعض الضباط، الا انه لم ينفذ الحكم باي منهم، فيما نفذت احكام بحق العشرات في المغرب ومن لم يمت بالاعدام مات تحت التعذيب او بعمليات قتل سرية. وفيما قضت المحكمة الاردنية بمدد اعتقال متراوحة وافرج عن جميع “المتورطين” في العفو العام الذي صدر عن الملك الراحل ابان حكومة المرحوم وصفي التل عام 1962، فان جميع من حكموا في المغرب سجن اكثر من 15 سنة في “تزممارت“، اطلق سراحهم جميعا في عام 1991،  بمن فيهم من ادانته المحكمة بسنة وسنيتن وثلاث سنوات سجن.

عندما يتحدث الجمعاني عن معقتل “الجفر” الصحراوي، وعن محاولة الهرب بشق نفق طوله 17 مترا في المعتقل والعقوبة المخففة التي خضعوا لها، لا يمكن مقارنة ذلك بما وصفه المرزوقي ومليكة اوفقير عن “تزممارت“، اذ يبدو “الجفر” سجن خمس نجوم بالمقارنة مع شقيقه الصحراوي “ترممارت“، هذا لا يعني تبرير عمليات الاعتقال والتعذيب والمحاكم الصورية والاتهامات الباطلة التي تعرض لها المتهمون الاردنيون.

لكن، ما ورد في ذهني هو كيف يمكن ان ينتقل الاردن من “القمع العقلاني” حتى لاشد “المؤامرات “خطورة، والقمع “الوحشي” لعدد من عمال اضربوا لاجل بعض المطالب او لمائة ناشط طالبوا بحقهم في عدم شراء سلع استيطانية او لاهل قرية لم يعرفوا طعما لماء المواسير منذ ستة اشهر.

وكيف انتقل المغرب من “سنوات الرصاص” و “تزممارت” الى التسامح والى “لجنة الانصاف والعدالة” وكيف تجري الامور عندنا…!

المشكلة، ان بعضنا يخشى ان يلوث هذا القمع اللاعقلاني صورة البلد في الخارج، لكن الاهم هو ماذا عن “التسامح” الداخلي الذي سمح للبلد ان تمر من كل العواصف، الاصل تحسين الاصل لتمتين الوضع الداخلي، اما الصورة فهي انعكاس لا اكثر ولا اقل…

http://www.mohomar.com/mohomar/65608/2009/07/31/154284-…

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: