Posted by: hamede | August 25, 2009

في مجموعته “للموت سرّ آخر” لا يريد من الله إلا لفتة حانية

News_8252009_110115_AM

غسان مطر .. لا اريد من الارض اكثر من رأفة/ ومن الناس اكثر من لهفة/ ومن الله اكثر من/ لفتة حانية

مجموعة الشاعر اللبناني غسان مطر الجديدة “للموت سر اخر” حافلة بالفكري غير المدعى ادعاء والمتدفق مشاعر حية وتشكل تساؤلات حارة بل شبه محرقة في حزنها عن الموت والحياة وما بينهما. وتتسم قصائد المجموعة احيانا بصوفية لا تضيع فيها حياة او شيء واحيانا اخرى بايمان عميق يكاد يطل على الكفر ثم يتراجع فكأنه يسعى الى ترسيخ ذاته وتنقيتها من الشك ونيرانه الاكالة.

وغسان مطر في كل ذلك يكتب بشعرية نفاذة حزينة تسيل من النفس بحرارة تنتشر في كلماته فتمنع تساؤلاته وجولاته الفكرية من ان تسقط في الذهني فتتجمد او تبرد.. والتجمد والبرد من اشد الافات فتكا بالشعر.

واذا كان الموت هو اكثر محركات ودوافع التساؤل الفكري والايمان العقلي والديني او رفض الاثنين معا والانتهاء الى عبثية عاصفة او هادئة فعلاقة غسان مطر بالموت وما حوله وثيقة سواء في تساؤلاته ومشاغله وهمومه القديمة كشاعر ورجل فكر ومناضل عقائدي سياسي لكنها لم تلبث من الناحية الفعلية ان تحولت الى نوع من القدر الوحشي في قسوته الذي اختطف وحيدته الغالية وهي في سن الورود في انفجار وقع عشية الاحتفال بعيد ميلادها. وقد كتب غسان فيها شعرا من اشد الشعر ايلاما وتأثيرا في النفس.

وقبل بضعة اشهر خلال هذه السنة عاد الموت فاختطف زوجته رفيقة عمره وشريكة احزانه ونضاله وايام الفرح والاحلام الآفلة. وليس من قبيل المبالغة وصف البعض لهذا الشاعر الرائع بانه “ايوب” في هذا الزمن وقد جعلته الاحزان يفيض شعرا جارحا فيه كثير من التساؤل والشك وبعض ما يبدو ابعد من ذلك وفيه نفس ايماني قد لا يختلف كثيرا عن النفس ” الايوبي”.

ومجموعة “للموت سر اخر” هي كتاب غسان الشعر الرابع عشر منذ سنة 1965 . وغسان مطر نائب سابق في البرلمان اللبناني واحد ابرز اعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي.

المجموعة التي صدرت عن دار رياض الريس للكتب والنشر جاءت في 158 صفحة متوسطة القطع. قصائدها الست والثلاثون ادرجت تحت ثلاثة عناوين هي “ايقاعات تائهة” و”مدائح النار والياسمين” المؤلفة من ثلاث قصائد طويلة مهداة الى ثلاثة راحلين كبار هم ممدوح عدوان ومحمد الماغوط ويوسف سلامة. العنوان الثالث كان “للموت سر اخر”. الا ان الموت لا يقصر اسراره على هذا القسم بل توزعت هذه الاسرار على قصائد المجموعة كلها.

في قصيدة بعنوان “سر” يقول الشاعر “تختارني الدروب او اختارها/ امضي/ وانسى انني امضي/ وانسى انني احلم بالوصول/ امر بالبيوت عند الفجر/ اسقي الورد/ ثم ابدأ الغناء/ كي تستيقظ الفصول/ امر بالاطفال/ يضحكون قبل نومهم/ اقطف من ضحكتهم شرارة/ لاشعل القنديل…”

في قصيدة “طقوس” يعدد الشاعر طقوسا ويقول في احدها “في طقوس السماء/ اننا عندما ننحني لنلم انكساراتنا/ ويطوف البكاء/ لا نرى غير مقبرة/ فوق عرش السماء…”

وفي قصيدة “ركام” يقول غسان “ليس في ليل هذا الركام/ المدجج بالموت/ طفل يغني/ ولا وردة تتثاءب في سرها/ ليس في ليل هذا الركام/ احتمال لاغنية/ او صلاة…/ والسماء ملبدة بالذئاب/ وكل االشوارع محشوة بالنعوش المدماة/ والبوم والمومسات/ فالصباح الذي سوف يأتي قتيل…/ فهذا الصباح الذي سوف يأتي/ صباح الطغاة.”

في القسم الاخير الذي حمل عنوان “للموت سر اخر” والمهدى الى “الاحبة وقد رحلوا” نقرأ غسان في قصيدة عنوانها “ولكنهم ههنا” حيث يقول “لا نراهم/ ولكنهم بين ارواحنا/ يشعلون قناديلهم/ يقرأون مطالع اسرارنا…/ ويزورون احلامنا/ كلما هب شوق التراب/ لا نراهم/ ولكنهم ههنا/ بين قلب وخفقته/ بين عين ودمعتها/ يملأون الغياب/ لا نراهم/ ولكنهم يعرفون مواعيدنا/ يفرشون مكانا لنا بينهم/ عندما يتهاوى جدار الضباب.”

قصيدة “تعب” يبدأها الشاعر بقوله “اشعلي شمعة في الرواق/ لامضي ولا اتعثر/ نحو مدائنك المترفة…” ويختمها قائلا “اشعلي شمعة في الرواق لامضي/ تعبت من القلق الادمي/ تعبت من الخوف/ وانصرف الناس/ لم يبق مني سوى جثة/ تشتهي ان يمد الغياب الثقيل/ على وجهها معطفه.”

اما قصيدة “خاتمة” فهي حقا كما وصفها الناشر “جردة حساب دقيقة” للعمر. قال الشاعر فيها “لا اريد من الارض اكثر من رأفة/ ومن الناس اكثر من لهفة/ ومن الله اكثر من/ لفتة حانية…../ قلت ما قلت/ هل كان ما قلته عبثا../ هل مررت غريبا/ ولم اتخذ صديقا اكاشفه../ هل خذلت بلادي../ هل كان صوتي قريبا/ من الله والناس../ لا املك الان اجوبة صافية/كل ما كان كان/ ولست جبانا لانكر او اتنكر/ هذا انا/ عاريا مثلما قذفتني الحياة/ ولا سر عندي لاخفيه/ فلياخذ الله راحته حين القاه/ لست افكر في عودة ثانية/ كتب الناس اقدارهم/ وكتبت حروفي على صفحة عارية/ وليكن ما يكون/ انا مطمئن/ وقلبي نقي/ ونفسي مرضية راضية/ شاهدي وصديقي المسيح/ الذي بارك الانقياء/ ولم يرجم الزانية.”

تنتهي من قراءة المجموعة ويخيل اليك انك تتمتم مخاطبا نفسك خلسة عنها قائلا “تباركت الالام العظيمة”.

رويترز

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: