Posted by: hamede | September 5, 2009

تعالوا الى كـلمة سـواء

 dfdffdff 

بقلم: فهد الريماوي 

لعل من ابرز مأثورات عظيم الهند، وبطل استقلالها، المهاتما غاندي قوله : “خيانة الامانة، ان تؤمن بشيء ولا تمارسه”·· ولعل من افدح معايب ومثالب الطبقة السياسية، والنخب المثقفة في بلادنا، خيانتها السافرة لامانة المسؤولية الوطنية والادبية، من خلال الصمت وغض الطرف عما يجري بين ظهراني الدولة والمجتمع من تسيب وفساد واستهتار وتفكك وتدهور يومي وعلني، في سائر الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية والاخلاقية·
ليس من حق هذه الشريحة الواسعة التي ترى بأم العين، وتلمس لمس اليد، كل هذه المآسي والازمات التي تمسك بخناق الوطن، وتطبق على صدر الشعب، ان تلوذ بصمت القبور، وترفع راية الحياد، وتعتصم بالانانية واللا ابالية والباطنية السياسية، حرصاً على مصالحها، وخوفاً من إغضاب الدوائر الحاكمة، وامتثالاً للحكمة الانهزامية القائلة: “لا ارى، لا اسمع، لا اتكلم”·
يوماً بعد يوم يتراجع دور الدولة وحضورها ومكانتها المركزية، وبالذات في الاطراف والمناطق البعيدة عن العاصمة، حيث تشتد هناك النزعات الجهوية والعشائرية التي تجهد للحلول تدريجياً محل الدولة، واخذ القانون بيديها، وانتداب نفسها لتصريف الاعمال وتدبير الامور·· مستفيدة من تراخي اجهزة الدولة في مزاولة مهامها الرسمية، وممارسة مسؤولياتها العامة·
يوماً بعد يوم يتجه المجتمع نحو التصلب والتعصب والتباغض والتوتر، فيما يبتعد عن مألوف طباعه وعاداته في التكافل والتعاطف والتراحم واصلاح ذات البين، وذلك بعد ان توفرت الدواعي والاسباب والمناخات المشجعة على التأزم والاحتقان والانقسام وضيق النفس، بدءاً من الضغوط الاقتصادية، ومروراً بالخواء السياسي والفساد المالي والاداري، وانتهاءً بالآفات والتشققات الاجتماعية·
ورغم ان التحديات في تصاعد، والازمات في تزايد، والمصادمات تتصدر قوائم الاخبار اليومية، الا ان المسؤولين عن البلاد والعباد مازالوا يضعون في آذانهم طنياً وعجيناً، ويستمتعون باجازاتهم الصيفية في ارقى منتجعات الخارج، ويبتغون مرضاة الدوائر الاجنبية وليس القاعدة المحلية، ويرفعون انفسهم عن مستوى شعبهم درجات متعددة، ويمارسون مسؤولياتهم من موقع الراحة والهواية والمراسلة عن بُعد·
كل الدلائل والقرائن والبراهين الواقعية الملموسة تؤكد ان الخرق قد اتسع على الراتق، وان هذا النسق الرسمي من كبار المسؤولين قد استنفذ كل مرات الرسوب، وان هذا المنهج في التعيين والتشكيل والتوزير والترئيس قد تقادم وتهرأ وتخلف عن معطيات المرحلة وركب العصر·· الامر الذي يحتم اجراء مراجعة شاملة لكامل التجربة الماضية، واجتراح نقلة نوعية واسعة تعيد للدولة حضورها، وللعمل الرسمي حيويته وطهارته، وللشعب المطحون ثقته ببلده، وتفاؤله بمستقبله، ودوره في صناعة القرار ورسم المسار·
اما بقاء الحال على هذا المنوال، او اعادة تجريب المجرب ودق الماء في الاناء، او تكريس نهج التبديل الشكلي عوض التغيير الجذري، فلن يقود الا الى المزيد من التدهور في الاداء، والتقصير في العطاء، والتباطؤ في الانجاز، والتوسع في مشتقات الفساد التي باتت تطال دوائر ومرافق مهمة وحساسة ومؤتمنة على مصالح الناس·
لقد اقتربنا كثيراً من الخط الاحمر، واشرفنا بدرجة كبيرة على الهاوية، ولم تعد لدينا “قوة مثال، من اي نوع، او مناعة ادبية واخلاقية من اي مستوى، ومع ذلك فمازالت الطبقة السياسية والنخب المثقفة في البلاد سادرة في صمتها، ومتجاهلة لكل ما يجري من حولها، وممتنعة عن بق البحصة وتعليق الجرس·· فمنذ ان اصدر احمد عبيدات ونفر من قادة الرأي العام بيانهم السياسي والانتقادي الشجاع قبل نحو سنة، لم يجرؤ احد على رفع صوته، او قول كلمة حق وصدق فيما يجتاح الوطن من ويلات وازمات متوالية ومتوالدة دون انقطاع·
بئست هذه الطبقة الجبانة والانتهازية التي لا تستحق الانتماء الى هذا الوطن الجميل، ولا تستأهل الانتساب الى هذا الشعب الاصيل، ولا تليق بموقع القيادة وامانة المسؤولية الوطنية·· فالساكت عن الحق شيطان اخرس، والصامت عما يجري مشارك فيه وموافق عليه، اما الممعن في المداهنة والنفاق والاسترضاء، التماساً للمناصب والمكاسب والنفوذ، فهو اشد خطراً واضل سبيلاً·· بل لعله متواطئ مع قوى وجهات مشبوهة تريد لهذا الشعب ان ينشغل بصراعاته، لكي ينصرف عن متابعة ما يجري حوله·
قبل بضعة اسابيع شهدنا تهافت وتسابق رجالات الدولة، ورؤساء الحكومات السابقين على القاء المحاضرات السياسية، واجراء المقابلات الصحفية، وحين وقفنا على ما قالوا وكتبوا، اعترانا شديد الاسى والاسف، ليس لضحالة افكارهم، وسطحية طروحاتهم فحسب، بل لتهربهم ايضاً من وضع النقاط على الحروف، او تشخيص الداء وتوصيف الدواء، او قول كلمة حق تتطلبها ظروف البلاد واحوالها البائسة·· ربما لانهم قصدوا من محاضراتهم ومقابلاتهم اعادة تلميع انفسهم، وتقديم اوراق اعتمادهم، ولا سيما ان الشائعات كانت قد راجت يومذاك حول قرب رحيل حكومة الذهبي·
محزن هذا الخواء الذي يلف حياتنا السياسية بشقيها الرسمي والشعبي·· مؤلم ان تخلو ساحتنا لاول مرة منذ خمسين عاماً، من القيادات الباسلة والقامات العالية، وان تتهرقل اوضاعنا الشعبية والحزبية والنيابية والشبابية والعمالية الى هذه الدرجة الهابطة·· ولولا شبهة الاتهام ومظنة الادعاء لكان من حقنا القول بان اقلاماً صحفية كثيرة قد تحلت بشجاعة ادبية، ونهضت باعباء ومسؤوليات وطنية لم ترق الى نصف مستواها هياكل الطبقة السياسية التي كان من المفترض ان تتولى زمام القيادة والريادة على صعيد العمل العام، بدل الانهماك في تدبيج النمائم، وتصدر الولائم، وترؤس جاهات الاعراس، ثم وضع الخد على اليد في انتظار هاتف التكليف والتوظيف·
وفي عودة على بدء، نود ان نؤكد ان مركزية الدولة في خطر، وان نسيج المجتمع يتجه نحو التمزق والتفكك، وان لغة الحوار قد تصاغرت امام صيغ التنافر والشجار، وان الازمات الداخلية باتت اخطر من التهديدات والتحديات الخارجية، وان الدولة التي تفقد دورها وتدير ظهرها لمواطنيها، تفقد في ذات الوقت، وعلى ذات المستوى، هيبتها ومكانتها وتعلق المواطنين بها وتعويلهم عليها·· فالدولة ليست محض ارض وشعب وسيادة، كما يقول القانون الدستوري، بل هي دور وسلطة وهيبة وعدل ومسؤولية وشرعية، وعقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم·
للدول دائماً منطقها الخاص الذي تتمسك به، وتتمحور حوله، وتحرص عليه، وتحاذر من التخلي عنه، باعتباره روحها، واساس وجودها، ومبرر بقائها، وضابط ايقاعها العام·· وبغير هذا المنطق المتولد من رحم الضرورة، والمتبلور من تجارب التاريخ، والمعتمد لدى كل الدول التي تستحق اسماءها، يلتبس معنى الدولة، ويضطرب دورها، وتبهت رسالتها، وتهتز صورتها في اعين ابنائها واعدائها معاً·
وبعد·· يقول لينين : “يبدأ الانحطاط حين لا تعود الكلمات تعبر عن معانيها” !!

http://almajd.net/article/details/details.asp?id=3299

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: