Posted by: hamede | September 6, 2009

جامعة الفقر الأسود

4822_5457

حنا مينة
الراحل الدكتور عادل العوا، استاذ الفلسفة في جامعة دمشق، سألني وأنا إلى جانبه في احدى المناسبات: “دكتور حنا، من أي جامعة تخرّجت؟” أجبته بغير قليل من الجدية “من جامعة الفقر الأسود!” قال: “عجيب، أنا لم اسمع بهذه الجامعة!”.
الدكتور العوا كان طيباً، درس الفلسفة وعلّمها في جامعة دمشق، لكنه، كما يبدو، انصرف إلى قراءة الفلسفة، وتعليمها، وكتب بعض المؤلفات، ومنها كتابه المعروف “الكرامة”، ولم يكن لديه وقت لقراءة الأدب، وهذا مؤسف، إلا انه واقع، فالطبقة الليبرالية في سورية، وربما في الوطن العربي أيضاً، لا تقرأ الأدب، ولماذا تقرأه، وهي تسعى إلى ما هو أنفع، فمتاع الدنيا الغرور، ينفع كثيراً، سواء في الوجاهة، أو جمع ما يؤكد هذه الوجاهة، ويثبتها، ويجعلها بريقاً أصفر، يسطع كنور الشمس في أيام الصيف، وتبقى قراءة الأدب ترفاً، يمارسه من ليس له ترف، في الوجاهة أو السيادة، أو المكانة المرموقة في المجتمع، مثل بعض المثقفين، والطلاب الجامعيين، والشرائح التي تسعى إلى المعرفة، لإدراك ما يجري في العالم من حولها، عربياً ودولياً!
بالنسبة لي، أنا خريج جامعة الفقر الأسود، الفقر نوعان: أبيض كالذي اعيشه الآن، وأسود كالذي عشته في طفولتي، حين كنت جائعاً، حافياً، عارياً، حرصت أمي، على ادخالي المدرسة، كي يتعلم “فكّ الحرف”، وأن أصبح، بعد فكّه، كاهناً أو شرطياً، ولا توسط بينهما، وبعد ان كبرت، وألقيت بنفسي في التيار الهادر لمقاومة الاحتلال الفرنسي، تمنت الأم لو لم ترسلني إلى المدرسة، وان أكون راعياً، بدل ان أكون مكافحاً في سبيل الاستقلال، وما عانيته في السجون الفرنسية، وحتى السجون الوطنية، على امتداد عهد الاقطاع، بعد الاستقلال، كان يؤرقها.
آمال الأم خابت كلها، فلم ارتسم كاهناً، ولا دخلت سلك الشرطة، أو قدّر لي ان أكون راعياً، مع انني مارست من المهن ما هو أبشع منها وأفظع، فقد عملت، كما هو معروف من سيرة حياتي، أجيراً واجيراً وأجيراً، وتطوعت في البحرية بعد دخول قوات فرنسا الحرة إلى سوريا، في الحرب العالمية الثانية، ولما لم يكن لي حظ التعبئة والتسويق إلى العلمين، لقتال جيش رومل، ذئب الصحراء، فقد تركت الخدمة كجندي في البحرية، لأصبح بحاراً، لمدة قصيرة، على المراكب الشراعية، التي تنتقل بين مرافئ المتوسط العربية، وعلى هذه المراكب، خلال العواصف، عاينت الموت، في نظرات باردة، لأفعى اللجة، ومن هنا كان ولعي بالبحر، ثم الكتابة عنه، عندما تعاطيت مهنة الحرف الحزينة، القذرة واللذيذة، حسب تعبير ارنست همنغواي، والتي لا انفكاك منها سوى بالموت.
لقد قلت، صادقاً، انني ولدت بالخطأ، ونشأت بالخطأ، وكتبت بالخطأ، فالطفل العليل، الذي تنوس حياته كذبالة الشمعة الواهنة، لم تطفئ ريح المتون ذبالة شمعته، وبعد الابحار على المراكب، غدا الرغيف خيَّالاً، وعلي، سداً لجوع العائلة، ان اركض وراءه، ولا أزال، وفي مزدلف الشوط، لم يكن لي، بعدُ، شرف الفروسية، فقد اضطررت للعمل حمالاً في المرفأ، ثم حلاقاً على باب ثكنة في مدينة اللاذقية، ومن الحلاقة إلى الصحافة، ومن الصحافة إلى كتابة المسلسلات الاذاعية، بالفصحى والعامية، ومنها إلى الوظيفة في وزارة الثقافة، وقبل ذلك إلى المنافي، لأسباب قاهرة، حيث التشرد في أوروبا، والنوم تحت الجسور في سويسرا، وطلب العمل، لا العلم، في الصين، وكل هذا، أو أكثره، معروف من القراء الأعزاء، اذكره للشكر لا لعرض الحال، والشكر، هنا، لأن حياتي الحافلة بالتجارب القاسية، قد نفعتني “أنا الحديدة التي تفولذت بالنار” في المقبل من أيامي، عندما بدأت بالكتابة الفعلية في الأربعين من عمري.
إن العمل في البحر، افادني في كتابة الشراع والعاصفة” والعتالة في المرفأ، اتاحت لي ان اكتب “نهاية رجل شجاع” والاختباء في الغابات، أيام مطاردة الفرنسيين، وفر لي المادة لكتابة “الياطر” أي مرساة السفينة، التي ستغدو أشهر رواياتي، رغم اني لم اكتب الجزء الثاني منها، والناشر لأعمالي يلاحقني كي اكتب هذا الجزء، وأعد، ويتلو الوعد وعداً، والوفاء، منذ ثلاثين عاماً، في مطاوي السحب الأبيض، الارجوانية عند الغروب، حتى بلغت من العمر عتياً، وصار الجزء الثاني نسياً منسياً، ويئس القراء مني، فاسترحت كما لم استرح من قبل، وادرك من حولي، انني نصف عاقل نصف مجنون، وانني، كما أقول، أفضّل نصفي المجنون على نصفي العاقل!
المشكلة ان “من شبّ على شيء شاب عليه” كما يقول المثل، وقد شببت على حب المغامرة حتى صارت في دمي، وصرت على موعد معها، فحيث تكون أكون، ولأنها كائنة في حلق الردى، فإنني من هذا الحلق امرق، فارداً جناحي، في تحليق كتحليق المغامر عباس بن فرناس، دون ان اسقط أو تدق رقبتي، إلا ان هذا التحليق، بحثاً عن المغامرة وفيها، سيتكرر، فالمرء الذي اختاره القدر ليكون كاتباً، أمامه خياران: جنح عصفور أم جنح نسر، وفي الشعر لابد أن يختار الشاعر جنيح نسر، وإلا ظل خائباً كبعض الذين يرفرفون بأجنحتهم فوق مستنقع الكتابة، دون ان يطيروا، ان يحلقوا، فالتحليق في الابداع له شروطه، وفي رأسها ألا يخاف الموت، فالموت، رغم ارتهانه لمشيئة الله، جبان في رأيي، وهو يأتي الحذَر من مكمنه، وأكثر الذين يخافون الموت، ويحتاطون في أمره، في الطعام والشراب والتغامر، أو بحثاً عما يقتل رتابة العيش، يموتون في رتابة عيشهم، وقبلاً يموتون، في الخوف من الموت، في موت أشد إيلاماً، تماماً كالذين هم، في الخوف من الفقر، في فقر، رغم اكتنازهم المال، لأن ما يصرف منه، هو وحده ملك صاحبه، أما ما يتبقى فإنه ملك الورثة، يبعثرونه، غالباً، في وجوه غير مستقيمة، انتقاماً من المورّث الذي حرمهم، في حياته، بعض ما يجعل عيشهم هنيئاً، أو أقل قتامة وادقاعاً.
وإذا كان الشعر، في التوسط، لا شعر، وان الشاعر، بغير تحليق، بغير حلم في هذا التحليق، يسقط في العدم، فإن القاص، مثل تشيكوف، أو مثل يوسف ادريس، له ايضاً سبب، وحتى ضرورة، في ان يرتفع بفنه، ومعه، إلى أعلى، ودائماً إلى أعلى، فالغمام الابداعي في الأعالي يكون، ومنها ينهمر عطراً على شباك فيروز، سفيرتنا إلى النجوم حسب تسمية سعيد عقل، وما يقال عن القاص، يقال بقدر أكبر، عن الروائي، الذي دون تغامر في التجارب، ولو فيها هلاكه، لن يبلغ أن يكون روائياً من لحم ودم، أو حتى ان يتوصل إلى جعل شخوص رواياته من لحم ودم، وبذلك يفقد قارؤه نشوة الانجذاب إليه، أو التحليق معه في الفضاءات التي ينبغي أن يحلق فيها، انطلاقاً من الواقع، وفي صيرورة هذا الواقع واقعاً فنياً، من خلال الانعكاس، في الذات الابداعية، والصدور عنها في معالجة ابداعية، تتطلب الخلق والخيال والتخييل والابتكار في السرد والحوار معاً.
نعم! أنا خريج جامعة الفقر الأسود أو لم يكن لي خيار، في دخول جامعة سواها، أو حتى مدرسة اعدادية، كي اعرف ان اكتب عن الجامعات والمدارس!
عن الجزيرة السعودية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: