Posted by: hamede | September 8, 2009

الفلاحين عبيد الأرض قبل وبعد الثورة

falaheen1محمد فوزي عبد الحي

هل الفلاح هو من بنى مصر؟ رسوم الفلاح القديم وزراعاته القديمة وآلاته الزراعية القديمة المنحوتة على بيوت عالمه الأخير، على الجدران التي تتحدى زمن الخديعة، على معابده البديعة، على قسمات وجوه المصريين، حيث يجري النيل في عيونهم، وتنبت سنابل القمح في صدورهم – تشير كلها لذلك، نهر النيل العظيم والد مصر البار يشهد لأولاده بذلك.. لو لم يكن الفلاح هو من بنى مصر، فإنه هو الذي حفظ بنيانها، ووفر طعامها، وحمى أمنها، وقدم دمه وأبناءه – في يوم الوطن – قرابين في معبد عشقها.
الفلّاح، الاسم الذي اشتقوه من مادة فلح أي شق الأرض، لأن الفلاح يفلح الأرض أي يشقها للحرث والزراعة، ومن هذا الأصل الثلاثي تعدى أفلح إذا ظفر بما طلب، ثم صارت كلمة الفلاح اسما للعاملين بزراعة الأرض، ثم صارت علما على جماهير الأمة المصرية التي تسكن الريف، واكتسبت مدلولا سياسيا بتحديد حصص لها في مقاعد مجلس الشعب الموقر.

عبيد الأرض

الغريب أن هذه المادة التي من شقائقها كلمة الفَلاحُ، وهو الفَوْزُ بما يغتبط به وما فيه صَلاحُ الحال، وهو البَقاءُ في النّعيم، والخَيرِ – صارت عنوان القهر، وعلما على عبيد الأرض، وخدم الإقطاع، ووقود الحرب وديوان المظالم في المملكة المصرية.

تلك الطبقة التي استعبدها الفاطميون حتى حول الحاكم بأمره ليلها نهارا ونهارها ليلا، واستعبدها الأيوبيون ومن ورائهم المماليك، والأتراك، وأذلتها طموحات محمد علي، فأغرقت أسطولها بعد سطوته وأضعفت جيشها بعد قوته، وحاصرت أرضها وأهلها ببركة توسعاته “الصدامية” في القرن التاسع عشر، والذي أعاد التاريخ نموذجه وبعثه حيا في العراق مع نهاية القرن العشرين، عندما يختار القائد الطريق الخطأ في الزمان الخطأ والمكان الخطأ لتحقيق غرض شخصي باسم أمة كبيرة ساذجة، وسواء جرى هذا باسم القومية أو الخلافة أو الإسلام، فهو خطأ!

استطاعت سياسات الذل التي مارستها هذه القوى أن تجعل من مصر قطيعا كبيرا من الجرذان تعيش في بيوت بدائية من الطوب اللبن على أرض الملك المعظم، وتتغذى على ما بقي من مائدته، أي على فضلاته ومزبلته، تزرع الأرض ولا تأكل، وتظمأ ولا تجد ريا، وتنزف عرقا ودما فلا تجد مواسيا ولا شاكرا، وتكدّ حتى الموت بلا ثمن، وتموت فلا تجد الكفن، ولكن حتى ذلك الحين لم تبخل الأرض بالقبر!!

لقد أدرك هذا الخنوع الذليل، وتلك الخلة الخاسئة مؤرخو مصر، فكتب السيوطي في كتابه الماتع “حسن المحاضرة” فصلا بعنوان: “السبب في كون أهل مصر أذلاء يحملون الضيم” وروي فيه عن كعب الأحبار قوله: “لما خلق الله الأشياء، قال القتل: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك، وقال الخصب أنا لاحق بمصر، فقال الذل وأنا معك، وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك.”

كما يَروي عن القاضي الفاضل (529-596هـ/1134-1199م) وزير صلاح الدين الأيوبي قوله: أهل مصر على كثرة عددهم وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدأبون في البر.”
كما ينقل محاورة دارت بين الحجاج الثقفي (ت: 95هـ/714م) وبين ابن القِرّيّة (الخطيب الشهير: ت: 84هـ/703م) لما سأله الحجاج عن طبائع أهل الأرض فكان حظ مصر من جوابه: “أهل مصر عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغاراً، وأجهلهم كبارا.”

وبعيدا عن اختبار صحة هذه المقولات التي تستند إلى الحكم الشخصي وممارسة قائليها ودربتهم ودرايتهم بالشعوب، كما هو الحال مع القاضي الفاضل الذي استوزر للأيوبيين في مصر، وعمل بديوانها قبلهم للفاطميين، فإن ابن القرية – ولله دره – قد وضع يده وإن شئت سيفه على هامة الفلاحين فوصمهم بعار الدهر، وما وجد منهم نكيرا!

وهكذا ورثنا ضباط الثورة المغاوير، فصرنا عبيدًا لمن غلب، وبالرغم من أنهم كانوا ينتمون إلينا، ولكن السلطان دكتاتوري هواه، والعرش استبدادي مناه، وبئس داء المرء الاستبداد!! فما أن شربوا نخب السلطة حتى استحال الحب عَلويا والهوى مملوكيا، وشيطان الحكم تركيا، وسادن القصر عسكريا – فكانت منحة الثورة في الإصلاح الزراعي عدة قراريط لكل فلاح مقابل بيع حريته وحرية أولاده وأحفاده من بعده للأبد.

ثم وصلنا إلى عصر عمي فرج، بلديات أستاذنا فاروق جويدة، عمي فرج وإخوانه أبناء الشقاء من الفلاحين البسطاء ممن بخلت أرض مصر عليهم بالسكن، وبخلت عليهم بالعمل، وبخلت عليهم بالكفن.. فرض ورثة الثورة الأبطال الذين فاق ظلمهم ظلم المماليك والعثمانيين والعلويين، فرضوا على أبناء العم فرج – وهم غالبية المصريين – قانون الهيئة، يعني لا بد لكي تكون باشا أو بيه أن تكون من عائلة بشوات أو بهوات، ومن ثم فقد أبناء العم فرج الرغبة في التعليم، فمراكز الدولة ووظائف الدولة وسفارات الدولة ووزارات الدولة محجوزة بحكم الهيئة لأهل الهيئة لا للفلاحين البسطاء، وماذا سيكتبون الغلابة، وماذا سيقولون في اختبار الهيئة: منها خلقناكم وعليها استعبدناكم، وبمعتقلاتها سجناكم، وفيها دفناكم!!

مأساة الفلاح المصري

لجأ “الفلاحين” إلى الأرض، ولكنه لم تعد الأرض الوطن بل أصبحت “وسية” من غلب، فلا يتعدى أجر الواحد منهم ثلاثة دولارات يوميا لقاء عمله أجيرًا تحت حر الشمس ما يزيد على عشر ساعات في اليوم..
في مصر، يزرع الفلاح قراريطه القليلة، و/أو ما يستأجره من أرض مما يدخر من قوت أولاده أو مما يرسله له أولاده المهاجرون من سنين، أو مما يقترضه من المصارف، يزرع دون أن يعرف كيف سيبيع ولمن يبيع، وما الثمن؟ ومن ثَم فهو آخر الموسم إما مستور الحال، يقبل يديه ظاهرا وباطنا على الستر، وإما مطارد من عدالة المماليك لعدم سداد قروض الاستعباد الزراعي..

في مصر، يعمل ملايين الفلاحين بعد أن حُرموا التعليم وركنوا إلى الجهل بسبب فقر المدارس وفقر المعلمين وفقر حال الآباء ويأس الأبناء.. يعملون في نظام أشبه بالسخرية المملوكية الإقطاعية القديمة، يعملون أملا في الطعام الضروري آخر اليوم، الحياة من أجل الطعام، هل أنا جرذ يا وطن؟!!
في مصر، تعمل المرأة في الحقول؛ تخرج إليها غضة مثل الزهرة الميادة، متلألئة مثل حبات المطر تحت أشعة الشمس ساعة الضحى، ولكنها لا تلبث أن تذبلها صفائح اللهيب الصيفية، وتطفيء رونقها قرصات الزمهرير الشتوية، وتغضن جبينها لفحات البؤس والكد والفقر، وتقيد روحها سياط الكنز والخوف مما قد يأتي به الفجر!!

في مصر، تصير الجميلة الفقيرة سرية للإقطاعي الكبير وأبنائه البهوات الصغار، تعد الطعام الجيد وتعد الشراب الجيد، وتعد مرق الجنس مقابل الراحة من تعب الأرض ولفح الشمس وحمل الأثقال.

في مصر، آلاف مؤلفة من البشر الكادح تشحن في سيارات النقل المعدة لنقل البضائع والحيوانات، ويلقى بها في المزارع في الصباح الباكر، لتعمل في مزارع السخرية مقابل أجر شحيح لا يكفي الطعام، فلا يعودون إلا في المساء وقد حل الظلام، أسراب من البشر على مضمار حزين اسمه الوطن! آلاف مؤلفة تبيع العرق، تزوي الشباب، تفني الأعمار لقاء جنيهات قليلة، فإذا وهنت القوى، ووقب الشباب، واستشرف المرض – فاء الجميع إلى الكفن، أين الكفن؟

في مصر، الأرض ملك للكبار، فإذا كنت صغيرا فإياك والتفكير في الفلاحة، أرض مصر للبلطجية، لا مكان فيها للأحلام الصغيرة، عد أيها الجرذ إلى الجحر الصغير، وانعم بدقائق هانئة لا تستعجل الموت فحياتك بلا ثمن!
في مصر، المواطن والجرذ سواء، هذا يجري في الحقول كي يأكل الحب الساقط بين الشقوق أو يختلس حبات من الأغصان الدنية، وهذا يعمل طوال العام يقتات من دمائه المحترقة ويجمع غذاءه من بقايا مائدة الملتزمين، الطعام الطعام الطعام، يا وطن!

في مصر، تصنع المخابز الخبز الجيد لكبار الموظفين حيث يأكلون بلا ثمن، وتصنع الخبز الجرذاني للفلاحين حتى يدفعوا كلّ الثمن! مملكة الفلاحين، أكلها ملح الفقر، ونخر عظمها نخب الجهل، كبلها الاستبداد، أسقطها المرض، لم تعد هناك غير نداءات المؤذن للصلاة تقطع رتابة الحياة، وطلقات النيران – عبر التلفاز -فوق شهداء الأقصى والعراق والصومال وأفغانستان وباكستان، تقطع رتابة الموت.

إنهم يعيشون على الهامش، ويحلمون على الهامش، ويفرحون على الهامش، وينتخبون على الهامش، ويموتون على الهامش، ولكنهم يدفنون في متن الأرض، ولكن هناك في الأعماق هل يعرفون أي كنز فرطوا فيه؟
الهامش المصري عريض يملأ الصفحة كلها، حيث يتوارى المتن في شخوص نادرة تسكن قصور المنتجعات، ولهو الرحلات، تتوارى في الأبراج المسروقة، خلف الشاشات الكاذبة والبزات الكاذبة والخطب الممجوجة والشعارات الكاذبة، تتوارى تتوارى تتوارى .. لكنها متن الزيف المصري كله، ومتن التخلف المصري كله، ومتن الرجعية الفكرية كلها بيد أنها صاحبة الجلالة، سيدة القصر والمصر، والباقي جرذان الهامش، لا تبحث عنها أيها الجرذ، لا تطلبها، لا تعرف الطريق إليها، فأنت في سلام ما دمت لا تراها ولا تراك!!

عشق نادر

لا يزال الفلاح مخلصا لهذا البلد بالرغم من بلاء الفقر والقهر، وبالرغم من فوضوية النظام وخيانة الأرض، بالرغم من دفن الوطن، بالرغم من أنه لا يزال من عبيد الأرض، بالرغم من أن سدنة الأرض رفضوا حتى عبوديته لها – لا يزال الفلاح يستشعر عذوبة النيل القديمة وهو يتجرع مرارة الفشل الكلوي، لا يزال يحن لرقة الخبز القديمة وهو يعاني الفيروسات الوبائية الكبدية، لا يفتأ يتذكر بساطة العيش القديمة وهو ينظر لساكني القباب، ولكنهم ليسوا من أولياء الله الصالحين بل من أعدائه الظالمين، لا يزال يروي طفولة الحلم القديمة وهو يرى أولاده يتعلمون بلا أمل، ويتسكعون بلا عمل، وينافقون في عالم الجرذان بلا كلل، وسرطان الظلم يأكل أحلامهم ويسرق شبابهم ويدفن حياة أعماقهم!!
لقد توقفت التماسيح النيلية عن التسلل إلى مصر خلف السد، ولكن الأفاعي السامة والذئاب المفترسة لا تزال تقتل عشق الفلاح المصري الذي عشق مصر وانكوى بنار سادتها، الفلاح الذي دفن أجداده في قناتها وفقد أولاده في تحريرها، فبكى بها وبكى لها وبكى عليها، و”كم ذا يكابد عاشق ويلاقي في حب مصر [ذليلة] العشاق، إِنّا لنحمِلُ في هَواكِ صَبابَةً يا مِصرُ قَد خَرَجَت عَنِ الأَطواقِ، لَهفي عَلَيكِ مَتى أَراكِ طليقَةً يَحمي كَريمَ حِماكِ شَعبٌ راقي.”

http://www.ouregypt.us/Bhayi/fabedelhiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiii8.html

مصرنا ©

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: