Posted by: hamede | October 2, 2009

رحل عبدالناصر ولكن الناصرية باقية

dfdffdff

بقلم: فهد الريماوي

في كل ايلول نشعر ان جمال عبدالناصر قد اعاد انتاج موته·· جعله سنوياً، ورتله ترتيلاً، وعزفه مجدداً على اوتار قلوبنا وحبات عيوننا·
في كل ايلول نشعر انه قد مات للتو، وغاب على حين غرة، ورحل لاول مرة، رغم انه كان قد خاض غمار تسعة وثلاثين رحيلاً·
لقد عرف هذا الزعيم العظيم كيف يموت ولا يغادر الكاريزما، وكيف يغيب ولا يفقد الحضور، وكيف يرحل ولا يخالف شروط الاقامة الدائمة·
عرف “ابو خالد” كيف يعانق المجد وهو يسكن اللحد، وكيف يمتلك الحاضر وهو يسافر في التاريخ، وكيف يحافظ على الوجود وهو في ذمة الخلود، وكيف يواصل المشوار وهو يقبع تحت التراب·
كل قواميس الدنيا ونواميسها تؤكد ان الموتى هم الغائبون، وان الاحياء هم الحاضرون·· فكيف انقلبت هذه القواميس والنواميس والمقاييس، اكراماً واحتراماً “لابي خالد”، بحيث لم يمنعه الموت من التألق والبقاء والعطاء، بينما لم تمنع الحياة اعداءه من الغياب والانكفاء والانزواء ؟؟
الجواب عن هذا السؤال – اللغز قد لا يطلع من سطور الفكر، بل ينبع من ضمير الشعر·· فقديماً قال الشاعر العربي··
الناسُ صنفانْ : موتى في حياتهمو        
وآخرونَ ببطنِ الارضِ احياءُ
نعم مازال “ابو خالد” شامخاً وهم غائبون وخاسئون، لانهم ما نالوا من الكاريزما بعض ما نال، وما استمالوا من جماهير العرب بعض ما استمال، وما استقطبوا من اهتمام واحترام العالم بعض ما استقطب، وما انجزوا من جلائل الاعمال بعض ما انجز، وما خاضوا من المعارك النضالية بعض ما خاض، وما ملأوا من فراغ غيابه بعض هذا الفراغ·
نعم مازال “ابو خالد” فارس الضرورة، وحارس الحلم، وسمير الذاكرة، وعظيم العرب، ومعلم الاجيال، وصاحب المشروع القومي التقدمي المستخلص من روح الامة، والمستخرج من نبل تاريخها، والمفصل على مقاس طموحاتها وتطلعاتها، والمؤهل لتثوير جماهيرها واستنفار طاقاتها، والكفيل بتحقيق وحدتها ونهضتها وحريتها وتحرير المستباح من ترابها الطهور·
آية عبدالناصر وعظمته، انه قد جمع الشجاعة الخارقة الى السريرة الطاهرة، والمبادئ السامية الى الاخلاق الحميدة، فقد قاتل وناضل وما ذل او تخاذل·· ضحى ووهب وما نهب او اكتسب·· اعطى اجزل العطاء وعاش حياة الفقراء والبسطاء، ثم مات وهو لا يلوي على شيء من متاع الدنيا·· ذلك لانه كان القائد العربي الوحيد في التاريخ الحديث، الذي لم يمتلك بيتاً من اي نوع، او فداناً في اي ارض، او رصيداً في اي بنك·· انطلاقاً من ايمانه العميق بضرورة التعبير عن المخزون الاخلاقي عن طريق المسلك العملي، والتصرف اليومي، والتجسيد الواقعي، وليس عبر الوعظ الكلامي، والتلقين المجاني·
آية عبدالناصر وعظمته، انه قد اجترح ارقى سبيكة استراتيجية تنتظم ابرز مبادئ الامة العربية وثوابتها وخصوصياتها، حيث وضع نقاط الوطنية على حروف القومية، واستنبط من روح الاسلام اسمى القواعد والاحكام الاشتراكية، ورفع راية السلم العالمي ولكن من فوهة البندقية، وعلى قاعدة الاقتدار وليس الانكسار، كما ربط الحريات السياسية بالوعي الاجتماعي والنضج الثقافي والكفاية الاقتصادية، مخافة تغول المال السياسي، وتحول الحريات العمياء الى اسلحة طائفية وعشائرية وجهوية ومذهبية·· شأن ما يجري في الوقت الراهن·
آية “ابو خالد” وعظمته، انه لم يكتف بنصره الروح الوطنية، وتعظيم شأنها ونشر ثقافتها وادبياتها، بل استمات في محاربة الخيانة والردة والعمالة، ونجح في قطع دابرها بشكل عام، ومطاردة مقترفيها دون هوادة، وارغامهم على الانكماش والارتعاش والنزول تحت الارض·· حتى اذا ما اسلم الروح، وغادر الدنيا، عادوا الى سابق عهدهم الخياني جماعات ووحدانا، وتناسلوا وتكاثروا نخباً وحكاماً·· يميناً ويساراً، مسفرين عن خياناتهم دون خجل او وجل، وسادرين في خدمة الصهيونية والامبريالية والماسونية علناً وعلى رؤوس الاشهاد·
نعم، لقد رحل عبدالناصر جسدياً، ولكنه مبدئياً ومعنوياً مازال قيد الرسوخ والشموخ، ليس في وجدان جماهيره الغفيرة فحسب، بل في حسبان اعدائه الكثر ايضاً·· فبقدر تعلق شرفاء العرب به، وحنينهم الى ايامه، وتشبثهم بمشروعه القومي النهضوي، يأتي مقت العملاء والرجعيين والمرتدين له، وتكاتفهم في التهجم والتحامل عليه حتى بعد وفاته، وتحالفهم في الثأر منه والنيل من مشروعه، ليس لغرض تصفية الحسابات القديمة فحسب، بل ايضاً لتبرير فشلهم في ان يشكلوا بديلاً عنه، او يعوضوا عن غيابه، او يرثوا بعض شعبيته، او يطرحوا مشروعاً يتجاوز مشروعه الناصري المجيد·
ورغم رحيل عبدالناصر منذ تسعة وثلاثين عاماً، ورغم ردة انور السادات وانقلابه على المشروع الناصري بعد ذلك بوقت قليل، الا ان كل الرهانات والبرامج والمخططات والمشاريع المصرية والعربية البديلة قد سقطت في امتحان التجربة سقوطاً مدوياً، وفشلت على ارض الواقع فشلاً ذريعاً، وافضت باصحابها من العملاء والجهلاء والرجعيين الى مزابل التاريخ، وقدمت بموجب الفعل الشرطي المعكوس، ومن حيث لا تريد او تحتسب، اصدق تزكية وافضل شهادة للمشروع الناصري الذي عاد ليتصدر مواكب الحاضر، باعتباره مشروع الامة بأسرها، وليس ملكاً لفئة او طبقة او دولة بعينها·
نعم، لقد فشلت بامتياز كل المناهج والفذلكات والطروحات المضادة للمسيرة الناصرية ومشروعها القومي التقدمي··
فشلت كل الرهانات والمبادرات السلمية مع العدو الصهيوني، وها هو يزداد تطرفاً وتعنتاً، كلما تهافت عرب الاعتدال على السلام، فيما تتعالى الاصوات العربية الشريفة مجدداً بمقولة القائد الخالد، ان “ما اخذ بالقوة، لا يسترد بغير القوة”·
فشلت كل الدعوات والفلسفات القطرية المعادية للقومية العربية، وها هي الدولة القطرية عاجزة تماماً عن الحفاظ على وحدتها الوطنية، او سيادتها السياسية، او تنميتها الاقتصادية، حتى ان بعض الدول العربية قد اشتاقت لعهود الاستعمار، واستطابت عودة القواعد العسكرية الاجنبية·
فشلت كل عمليات الخصخصة واللغوصة والتنمية الرأسمالية البديلة للقطاع العام والنهج الاشتراكي، وها هي معظم الدول العربية تنوء  تحت وطأة المديونيات الفلكية، فيما اضطرت امريكا التي اهتزت بمفعول الازمة المالية العالمية، ان تحد من آليات السوق، وتأخذ ببعض البرامج الاشتراكية·
نعم، في كل ايلول نشعر ان عبدالناصر الرجل قد اعاد انتاج موته، غير ان عبدالناصر الرمز والملهِم والمعلم مازال مالئ الدنيا وشاغل الناس، وان الناصرية مازالت وعد المستقبل، ونداء الزمن القادم، ونشيد الاجيال الصاعدة، وبشارة زرقاء اليمامة التي تبصر قبل الآخرين·· واسألوا الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز الذي اعلن مجدداً خلال الشهر الماضي افتخاره بالهوية الناصرية

almajd

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: