Posted by: hamede | October 10, 2009

“بير الرصاص”

3346_1375

إنصاف قلعجي

كيف لهذه الذاكرة أن تحتضن تفاصيل المكان والزمان محفورة في دروب الحياة منذ “بير الرصاص” وحتى هجر الفتى البلاد عام 1975 ؟ هي ذاكرة الطفل الذي شده حين زار المدينة لأول مرة مع والده ، وهو ابن قرية كفل حارس · وكانت نابلس تضج بالحياة مقارنة مع قريته الهادئة الساكنة · ومثل أي إنسان يدخل مدينة غريبة لأول مرة رغم أن مدينة نابلس قريبة جدا من قريته ، إلا أن الطفل تملكته “رهبة من نوع خاص كانت تسيطر عليه وهو يشعر أنه غريب في هذه الشوارع”، وكان “يشعر أنه قادم من عالم آخر ، لذلك كان رأسه يتحرك دون رغبة منه في الاتجاهات كلها ، وكأنه يريد أن يرى كل شيء مرة واحدة”· يستيقظ الطفل في هذا الكتاب الجميل-السيرة ليؤرخ لحياة قرية عاش الطفل كل تفاصيلها ، ثم انتقاله إلى مدينة نابلس وما جاءت به حرب حزيران عام1967 من مآس وتشرد ، ثم يروي مشهدا لم يره من قبل ، حين كان مع جدته في المدينة ، والناس متجمعون “وقد اعتلى بعضهم أكتاف بعض ، ويصرخون جميعا بصوت واحد ويحركون أيديهم في أكثر من اتجاه”· قالت جدته إنها “مظاهرة” فهم يشتمون اليهود · وكان سؤال الطفل “ولماذا لا يشتمون اليهود في قريتنا يا جدتي ؟”·
القرية بكل مواسمها جميلة ، موسم قطف الزيتون وموسم حصاد القمح ، حيث يشارك كل أهل القرية من رجال ونساء وأطفال في الحقول من بدء القطف والتحميل والعصر ثم البيع ، يتقاسمون أحزان القرية وأفراحها وأعراسها · جهاز الراديو حين دخل القرية لأول مرة ، تعرف الطفل على عبد الناصر ، وكان يستمع إلى خطاباته ، ويتشكل وعيه القومي من خلال إذاعة صوت العرب ، ثم تعرفه على أم كلثوم عبر الراديو وحفظ أغنياتها ، ثم إذاعة صوت فلسطين · وتعرف الفتى في المدينة على السينما ، وعشق سعاد حسني وناديا لطفي ، وارتاد المقاهي  ، ولم يجرؤ أن يطلب ولو مرة واحدة أرجيلة “فهذا طقس من طقوس الرجال خاصة أولئك الذين يضعون على رؤوسهم الطرابيش الحمراء من أبناء المدينة”··
تشدك في الكتاب صورة التكافل الاجتماعي التي ابتدأت تتحلل في مجتمعاتنا العربية بدخول الإعلام الأجنبي وأتباعه ، فالقرية عبارة عن عائلة واحدة ، تتشارك أحزانها وأفراحها ، وليالي رمضان الجميلة ، والمسحر “أبو طبلة”، وليالي السمر والدبكات والأغاني الفلسطينية الجميلة· والأب والأم رمز الكفاح ، فالأب لا يختلف عن معظم الآباء، مكافح ولكنه جدي لا يبتسم ، عابس باستمرار حين يدخل البيت للحفاظ على هيبته· بينما مع أصدقائه خارج البيت يكون شخصية مختلفة · أما الأم فهي الأم دائما ، تصحو باكرا ، فتعجن وتخبز وتحلب وتنظف ···بصبر كبير··
كتاب “بير الرصاص” للشاعر والصحافي هشام عودة (الاسم الحركي) كتاب جميل بكل تفاصيله التي تؤرخ لحياة الناس ، وحياة القرية، والنضال ثم التشرد ·

 

 

almajd

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: