Posted by: hamede | October 15, 2009

إدوارد سعيد: انشطار الهوية

News_7162009_65724_AM

أمجد ناصر

لا أظن أن إدوارد سعيد كان محتاجاً لـ ‘الجرأة’ وهو يسطر مذكراته ‘خارج المكان’ كيما يشتهر او يسلط الأضواء عليه بعد خبو، على ما يفعل بعض الذين كتبوا سيرهم منطلقين، إما مما هو ‘غرائبي’ أو مما هو ‘صادم’.
فإدوارد سعيد هو كما تقول العرب علم على رأسه نار. لا يحتاج الى شهرة أكثر ولا الى مزيد من الأضواء. فمن النادر أن يتجاوز ناقد أدبي أو حتى مفكر رصين حدود الحقل الذي يشتغل فيه ليكون شخصية عامة أو كما يقول الانكليز ‘سيلبرتي’.
إدوارد سعيد هو هكذا في ‘الميديا’ الغربية.
شخصية دائمة الحضور على الأخص، قبل أن يتفاقم مرض سرطان الدم الذي يعاني منه منذ نحو عشر سنوات وكتب تحت تهديداته وسورات الألم التي يسببها بضعة كتب مهمة منها هذا الكتاب.
لذلك تكتسب صور بعض الشخصيات التي يصورها في كتابه الماتع هذا جرأة الشهادة وصدقها، لا الجرأة المفتعلة، ولا تصفية الحساب.
من هذه الصور التي تناولها بجرأة، وبموقف نقدي تشريحي، صورة والديه. فهما يتراوحان، في مذكراته هذه، بين حدي التحفيز والإعاقة، لكثير من الأعمال أو الخطى التي توجه اليها إدوارد. أما فعلتهما التي ترقى الى درجة الجريمة، في وعي سعيد اللاحق فتمثلت، بصورة خاصة، بالنفي المريب والعنيد والمتواصل لفلسطين في حياة الصبي والشاب اللذين كانهما إدوارد سعيد حتى يكتشف فلسطينيته، وعروبته الخاصة به في هزيمة حزيران (يونيو) 1967، اي بعد نحو أربعين عاماً على ولادته.
ورغم أن عائلته التي كانت تدير شبكة من الأعمال التجارية الناجحة في القاهرة كانت تزور فلسطين بين حين وآخر ولها بيت في القدس الا ان هذا ‘الانتماء’ كان غير مسمى. مصموت عنه طوال الوقت كأنه ‘إعاقة’ أو عيب بشع ينبغي التستر عليه.
فما دام والده يحمل جواز سفر امريكياً حصل عليه من خلال مشاركته في القتال الى جانب الجيش الامريكي في الحرب العالمية الأولى واقامته في امريكا لمدة عشر سنوات.. فهو امريكي وليس فلسطينياً! ورغم صروف الحياة والتغيرات السياسية، الدراماتيكية التي عرفتها فلسطين والمنطقة العربية، فإن موقف والده ‘الصامت’ حيال بلده فلسطين لم يتغير، ولا وهن إيمانه بـ’أمريكيته’ التي يريد لابنه أن يرثها ويتشبث بها.
لا يتردد إدوارد سعيد في تحميل والديه (والده على نحو خاص) ضمور البعد الفلسطيني والعربي لطفولته وصباه الباذخين اللذين عاشهما إدوارد في قاهرة الانكليز والنخب الأوروبية، والشامية المنقطعة عن جذورها.. التي تتباهى بتكلمها الانكليزية والفرنسية وعدم استخدامها للعربية، فيما كانت المدينة حبلى باستحقاقات انقلابية كبرى.
‘ ‘ ‘
فإصرار العائلة على نفي كل ما هو عربي وفلسطيني يبدأ بالأسماء فوالده الذي يسافر الى امريكا يغير اسمه هناك من ‘وديع’ الى ‘وليم’ ويسمي أبناءه أسماء غربية فهم على التوالي: جيرالد، إدوارد، روز، غريس، جويس!
يقول إدوارد سعيد إنه كان يلزمه نحو خمسين سنة لكي يعتاد على إسمه ‘إدوارد’ وأن يخفف من الحرج الذي كان يسببه له ‘هذا الاسم الانكليزي الأخرق الذي وضع كالنير على عاتق ‘سعيد’ اسم العائلة العربي القح’.
فيشكل له هذا الاسم عندما ينطق بين جمع من زملائه الأجانب سواء في المدرسة الانكليزية ام في المدرسة الامريكية لاحقاً نوعاً من الوعي بالانفصام. فاسمه ‘إدوارد’ ولكن سحنته عربية. صحيح ان إسمه يشبه، تماماً، أسماء زملائه التلاميذ لكنه يختلف عنهم.
يعرف رغم صغر سنه أن الإختلاف كبير بينه وبين هؤلاء. فهم يعودون الى عائلات انكليزية أو امريكية، ولكنه يعود (من المدرسة) إلى بيت عربي لكنه ‘متغرب’ عن عروبته هذه ومتجاف معها من خلال نفي اللغة العربية نفسها من الحديث بين أفراد العائلة.
يعترف إدوارد سعيد أن والده لم يكن يحب فلسطين ولا مدينة القدس التي كانوا يذهبون لـ ‘التصييف’ فيها قبل أن تسقط بيد الصهاينة.. يقول إن والده كان يكره القدس.. فهي تذكره بالموت.. لكن عندما تسقط فلسطين في العام 1948 يسمع الصبي إدوارد والده يقول: ‘لقد خسرنا كل شيء’، فيسأل والده ما الذي ‘خسرناه’ فيقول: فلسطين!
هذه، في الواقع، هي الإحالة الوحيدة في الكتاب التي تشير، ربما، الى نوع من الانتماء المصموت عنه.. غير أن هذا ‘الانتماء’ (لو صح) لا يظهر في تربية الطفل ولا الشاب إدوارد الذي يتساءل في ثنايا الكتاب كيف تسنى ان تكون قضية فلسطين مالئة الدنيا وشاغلة الناس (منتصف الأربعينات حتى اواخر الخمسينات) وليس لها أي حضور في البيت؟ إدوارد سعيد لا يفهم السبب ولا يقدم لنا تفسيراً لذلك.
والمضحك في الأمر أن إصرار العائلة على ان تكون مقتلعة من جذورها لا يقابله انتماء فعلي آخر. فرغم الحياة الأوروبية التي تعيشها العائلة في القاهرة أكثر من ثلاثة عقود إلا أنها لم تكن جزءاً من النخب الأوروبية فيها. فلا هي جزء من الأقلية الشامية (بلاد الشام) التي كانت فاعلة، في القاهرة، آنذاك، ولا هي جزء من النخب الانكليزية ولا الامريكية.. ولا هي، بالتأكيد، جزء من المجتمع المصري.
لكن لعل إصرار العائلة على أن تتصرف كالأوروبيين وان تظهر كذلك هو نوع من ‘التقية’ أو ‘الدريئة’ في مجتمع ليس مجتمعها.. ولا يدرج في طياته بسهولة، المقتلع من وطنه أو اللاجئ.
ربما، لهذا السبب، ظلت فلسطين لفظة غريبة على مسامع إدوارد سعيد الطفل.. لفظة لن يكتشف معناها الذي سيلتصق به مدى العمر الا بعد أن يضيع ما تبقى منها عام 1967.
في تلك اللحظة يكتشف إدوارد سعيد انه ينتمي الى هذا الاسم الذي لم ينطقه والده، مرة واحدة، كوطن له: فلسطين.
لكنه سيظل مشطوراً، الى الأبد، بين العالمين اللذين يحيل إليهما اسمه الشخصي: إدوارد سعيد، وهما عالمان لا يبدو أنهما سيتصالحان، بالعمق في المدى المنظور

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: