Posted by: hamede | October 24, 2009

حصاد في مغاريب السلط

2009922big45579

د. إرحيّل الغرايبة

 

 

من على جبال السلط الغربية المطلة على فلسطين، تسمع مآذن القدس وتراها رأي العين، هكذا يقول رجالات السلط القدامى، الذين كانوا يأكلون السمن الحيواني الصافي، ويخرجون منذ لحظات الفجر الصادق، لتعانق أنوفهم نسائم البحر المتوسط، وهم يتجهون نحو الحقول ومروج السنابل التي تتمايل على سفوح الجبال وبين أكناف الصخر وعلى جنبات القيعان، بعيدا عن كل التقنيات الحديثة التي أفسدت الحياة والإنسان.

 

الفلاح أحمد دوجان الحياري كان أحد هؤلاء الرجال الذين يسابقون ضوء الفجر، يحمل المنجل، ويلبس الرداء الجلدي الذي يستعمله الحصادون ليقيهم خشونة الشوك والقش وزغب السنابل، وهو يحتضن شمالات الحصيد، ويربطها لتسمى غمارا، يصلح للحمل عندما يحين وقت الرجاد.

 

هذا الفلاح الحياري السلطي بزغ عليه الفجر وقد ساح في مرج السنابل كسحا في منجله، وهو يهزج أهزوجة الحصيد المسلية، التي ترفع الهمة وتجعله دائم الذكر لصاحب النعمة الرازق الكريم، وإذ به يقف مشدوها ونظراته نحو القدس ويرخي أذنيه ليسمع صوت المدافع في صيف عام 1948م على جبال القدس وعتبات الأقصى، وقد كان على صلة بالواقع السياسي ويعلم ما يدور في المنطقة، كما حدثني عن ذلك الدكتور عبد اللطيف عربيات.

 

وقف الرجل هنيهة وقد داعبت نسمة خفيفة حبات العرق المتفصدة عن جبينه الأحمر الذي لوحته الشمس، ولم يستغرق طويلا، حتى رمى بمنجله جانبا وخلع رداءه الجلدي الذي (نسيت اسمه)، ثم هرول إلى البيت وحمل بندقيته وما عنده من أمشاط الفشك، ويودع أهله مهرولا عبر السفوح نحو النهر، لم يلتفت خلفه ويقطع الأغوار متسلقا نحو الجبال الغربية لا يلوي على شيء، وقد قطع كل الوساوس، ولم يستسلم للتدارس في احتمالات المستقبل، فقد علم يقينا أن معركة بيت المقدس قد حانت، ونداء الواجب أقوى من كل النداءات، والتحق بقوات المجاهدين، ليشترك في وقف أكبر مؤامرة غربية صهيونية عبر التاريخ، واستمر ثلاثة أشهر في هذا القتال وقد كان صيادا ماهرا.

 

فقيل له إن أحد القناصين الصهاينة مستحكم في أحد المنازل الذي يحتل موقفا مشرفا، وقد قتل عددا من الناس، ولم يستطع أحد الاهتداء إلى موقعه المحصن، فجاء أحمد دوجان ليرقب مخرج الرصاص حتى اهتدى إلى الثقب الذي تخرج منه فوهة البندقية، والشخص مختف تماما، واستطاع بمهارته التسديد إلى ذلك الثقب وسدد رميته القاتلة التي أصابت ذلك القناص في صدره، وقد أزاح عبقة كأداء أمام تقدم المجاهدين في هذا الحي.

 

هذه قصة مجهولة من قصص البطولة الكثيرة والمتعددة التي لم يدونها التاريخ، ولم توثقها بيانات الأحزاب السياسية، القديمة والحديثة، ولكنها محفورة في ضمائر الصادقين والمخلصين المقيمين على الثرى الطهور في أكناف بيت المقدس، والذين كانوا يفطرون في رمضان على صوت مدفع القدس.

 

من الذي أوجد مرض الإقليمية الخبيث، ومنذ متى أخذنا نسمع بمصطلحات الجهوية الجاهلية البغيضة، ومن هو المسؤول عن تفشي هذا الفيروس الأشد خطورة من انفلونزا الطيور أو الخنازير.

 

إننا نعيش زمان انتشار العلم وكثرة المثقفين والسياسيين وانتشار الأحزاب، وتأليف الكتب وإصدار البيانات، وكثرة الحوارات والندوات، والصحف والمجلات، والفضائيات، ومع كل ذلك نشعر بمرض الفرقة يزداد ويستفحل، وفي زمان أحمد دوجان الحياري لم يكن كل ما سبق، ولكن فطرته السليمة وانتماءه الحقيقي دفعاه لهذا الموقف الرجولي البطولي الذي يفيض بالتضحية والفداء متفوقا على كل أصحاب الألقاب والمراتب من إفرازات السياسة المعاصرة.

 

نحن جميعا، وخاصة أصحاب القضية بحاجة إلى مراجعة حقيقية وجريئة قادرة على الاعتراف بالخطأ وتلمس الصواب.

 

Advertisements

Responses

  1. salam


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: