Posted by: hamede | October 27, 2009

تقدير موقف

افانين التنجيم السياسي والتحزير الاعلامي

 
بعد تصحر الحياة السياسية الاردنية، وتقهقر آليات المشاركة الشعبية والعمل العام، وغياب وسائل الايضاح ومصادر المعلومات·· اختلفت مقاييس النقد والرصد والتحليل السياسي والاعلامي، حيث اختفت تلك المقاييس والاساليب والادوات المعهودة، لتحل محلها اخرى جديدة تناسب مفردات المرحلة الراهنة ومعطياتها·
لم تعد اساليب البحث والتحليل العقلي تلائم هذه المرحلة الملتبسة، والمفعمة بالغموض والضباب والالغاز، بل افسحت في المجال امام وسائل واساليب مستحدثة، وبعيدة عن العقل والمنطق، واقرب ما تكون الى التنجيم والتبصير والتحزير الذي يستند الى قوة المخيلة، وليس وعي الحقيقة وحجم المعرفة·
وسواء كان السبب في هذه الحالة السياسية المشوشة والملتبسة، هو ارتباك صناع القرار، او ضعف مستوى المراقبين والمحللين، فالنتيجة واحدة، والحصيلة لا تبشر بالخير، بل غالباً ما تؤدي الى غياب المصداقية السياسية والاعلامية، وزيادة منسوب الشك والحيرة، وبلبلة الجزء الاكبر من الرأي العام·
لا جدال ان لدينا ازمة شفافية ووضوح·· ازمة معرفة وقراءة واطلاع، فلا احد منا يعرف على وجه اليقين ماذا يدور في الكواليس، وماذا يخبئ الغد، وبماذا يفكر صناع القرار·· الامر الذي اوقعنا في حيص بيص، وحملنا على قول الشيء ونقيضه، ودفعنا الى معاقرة فنون التخمين والتكهن والرجم بالغيب والضرب في الرمل والمندل·
اقتربت السياسة في بلادنا من الظواهر الغيبية والعشوائية المنفلتة من عقالها، والعاملة من خارج سياقها ومنطقها، والموغلة في التناقض ما بين مقدماتها ونتائجها، والقريبة الشبه باحوال الطبيعة ومتغيرات المناخ، التي يتطلب رصدها ومتابعتها وتحليلها، توفر خبرات واسعة في قراءة خرائط الطقس، وتقلبات الاحوال الجوية·
من هنا اكتسبت صالونات عمان السياسية مكانتها واهميتها، ونجحت في اجتذاب الصحافة ولفت انظار رجال الاعلام، ونصّبت نفسها كمصدر اساس للاخبار والاسرار والمعلومات التي غالباً ما تكون مشوبة بالمبالغات والشائعات، كما اثبتت انها اكثر قوة وديمومة من كل الحملات الرسمية والتهجمات الحكومية التي استهدفتها وحاولت النيل منها والقضاء عليها·
ولعل مما ضاعف من قوة واهمية الصالونات السياسية، تكاثر الصحف والمواقع الالكترونية وباقي وسائل الاعلام الخاص التي باتت في أمسّ الحاجة، بحكم قوة التنافس، الى الاخبار الساخنة والحكايات المثيرة التي برعت هذه الصالونات في تصنيعها وتصديرها، وسط غياب ملحوظ، وارتباك واضح لمصادر الاخبار والافكار والمعلومات الرسمية·
منذ جملة اشهر ونحن نقرأ ونسمع عن تعديل الحكومة او ترحيلها، وعن حل المجلس النيابي او بقائه، وعن قرب اجراء تغييرات شاملة او بعده، حتى اوشكت كل هذه القضايا ان تتحول الى احاجٍ وفوازير ومسلسلات باهتة تدخل في باب التسالي وليس السياسة، وتستدعي افانين التنجيم وقراءة الابراج، وليس ما عداها·
منذ جملة اشهر ونحن في الصحافة والاحزاب والنقابات وباقي مؤسسات المجتمع المدني ندب الصوت على المسؤولين، لاجراء مراجعة سياسية واقتصادية واجتماعية باتت اكثر من واجبة وضرورية، غير ان كل اصواتنا ودعواتنا ذهبت ادراج الرياح، وذابت على عجل دون ان تزهر او تثمر او تحرك ساكناً، بل ربما دون ان يسمعها او يطالعها احد من ارباب المسؤولية وصناع القرار·
مؤسف ان تتسع الهوة بين القمة الرسمية والقاعدة الشعبية، وان تزداد مساحة الحيرة والبلبلة بين الناس، وان تتحول السياسة الى ضرب من اللعب في الوقت الضائع، بينما تتهاطل الازمات علينا من كل حدب وصوب، وتتعاظم التحديات من حولنا يوماً بعد يوم·
بالامس القريب قال الكاتب المصري الاستاذ محمد حسنين هيكل، في مقابلة مع فضائية الجزيرة، ان العرب قد هاجروا من السياسة، غير ان هذا الاستاذ الذي اجاد التعبير شكلاً ومضموناً، لم يقل لنا الى اين هاجر هؤلاء العرب·· فهل هاجروا من السياسة الى متاهات الاحاجي والالغاز والاسئلة الشائكة ؟؟
 
 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: