Posted by: hamede | December 8, 2009

التوطين مسبقاً والتطبيع مجاناً

فهد الريماوي

 
اياً ما كانت الاسباب التي انتدبت نفسها لتسويغ حل المجلس النيابي الخامس عشر، فالثابت بشهادة عامين من عمر هذا المجلس، انه لم يكن جديراً بالثناء او البقاء، لا لأن اداءه التشريعي والرقابي كان متدنياً فحسب، بل لان عمره الافتراضي كان قد انتهى بمجرد انتهاء المهمة الموكولة اليه، والحقبة التي شهدت ولادته·
كل الدلائل والقرائن كانت تشير الى ان هذا المجلس الذي ولد في ظروف معروفة للكافة، ووفق مقاسات مرسومة سلفاً، انما هو “مجلس استهلاكي” مؤقت ومفبرك لا يمتلك شروط الديمومة والاستمرار والتمثيل الحقيقي للقاعدة الشعبية، وانما جيء به لاسباب واهداف عابرة اهمها اللعب في الوقت الضائع والممتد ما بين نهاية عهد الادارة الجمهورية، وبداية عهد الادارة الديموقراطية في واشنطن، ناهيك عن تبدل العهود ما بين حزب كاديما برئاسة اولمرت، وتجمع الليكود بزعامة نتنياهو في تل ابيب·
هذا الاوان، وبعد انقضاء مدة كافية من عهد اوباما ورئاسة نتنياهو، يبدو ان بعضاً من سيناريوهات الحل النهائي – او التصفوي – للقضية الفلسطينية قد وجد طريقه نحو التطبيق التدريجي، والتنفيذ العملي، تحت وابل من القصف الاعلامي التضليلي الذي يضع السم في الدسم، ويقدم الاحداث والاجراءات على غير حقيقتها، ويصور حل مجلس النواب الخامس عشر كما لو انه انجاز اصلاحي تم لاعتبارات داخلية، وبناء على رغبات وتطلعات شعبية بعيدة كل البعد عن الخفايا والحسابات والمخططات الخارجية·
مثل هذه الحملة الاعلامية التضليلية سبق شنها بضراوة عام 1993، ولغايات تسويق قانون الصوت الواحد الذي تم صكه انذاك لغرض انتاج مجلس نيابي مؤهل للبصم على معاهدة وادي عربة التي كانت مقدماتها تلوح في الافاق السياسية الاردنية·· يومذاك تجندت الصحف والاقلام وباقي وسائل الاعلام لتسويغ وتجميل قانون الصوت الواحد، واعتباره ضرورة وطنية عاجلة وعادلة وديموقراطية لان من شأنها الغاء الفوارق بين الاصوات الانتخابية، ومنحها ثقلاً انتخابياً واحداً لدى جميع الدوائر وسائر المقترعين·
فيما بعد ثبت للقاصي قبل الداني، ان قانون الصوت الواحد قد جاء بناء لاعتبارات واستحقاقات اقليمية اساسها ابرام معاهدة وادي عربة المشؤومة التي فازت بتأييد المجلس النيابي الثاني عشر المنبثق من رحم ذلك القانون التعسفي، ولم يأت تلبية للمطالب الشعبية، او تصويباً لاوضاع انتخابية معوجة، او امتثالاً لنداء العدل والمساواة بين عموم الناخبين، وفق ما زعمت وسائل التضليل الاعلامي التي سوقته وزوقته، رغم علمها بالعديد من الثغرات والسيئات الكامنة في سائر مواده وبنوده، والتي تسببت لاحقاً في تخريب الحياة السياسية والبرلمانية، من خلال انتاج مجالس نيابية هزيلة استبدلت السفاسف المطلبية بالقضايا السياسية، والروح الجهوية والعشائرية بالهوية الوطنية والقومية·
وهكذا فقد انطفأ مشعل التجربة الديموقراطية الغضة الذي اضاءته انتفاضة نيسان المجيدة، وجرى دفنه تحت وثائق المعاهدة المشؤومة، وما تبعها من قوانين عرفية واجراءات قمعية وقهرية على ايدي حكومات المجالي والطراونة وابو الراغب والفايز والبخيت والذهبي التي تسابقت جميعها في تضييق هامش العمل الوطني والديموقراطي، لحساب التوسيع في مجالات التطبيع والاذعان والانفتاح على العدو الصهيوني، دون ادنى اكتراث بالاصوات الشعبية والنخبوية المعارضة والرافضة للصلح والتطبيع من جهة، والداعية للاصلاح السياسي وتغيير قانون الصوت الواحد، من جهة اخرى·
فجأة، وبعد ان اصم قادتنا وسادتنا آذانهم لاكثر من خمسة عشر عاماً، فطنوا الى حكاية الاصلاح السياسي، وتذكروا ان قانون الصوت الواحد قد شكل سُبة في جبين العملية الانتخابية النيابية، وتعهدوا بسن قانون انتخابي مؤقت يضمن تحقيق القسط الاوفر من العدالة والنزاهة والشفافية، ويؤدي بالضرورة الى توسيع قاعدة التمثيل النسبي لمختلف القطاعات الشعبية، ومن مختلف المنابت والاصول·
وعليه·· فها هو التاريخ الانتخابي يعيد نفسه ولكن في الاتجاه المعاكس، فاذا كان عام 1993 قد شهد اوسع حملة تكاذب اعلامي لتسويق قانون الصوت الواحد، واعتباره حجر الزاوية في همروجة العدالة الانتخابية، فها هو العام الحالي يشهد انطلاق نفس الحملة، وربما بنفس الاصوات والاقلام، ولكن لغرض مختلف تماماً يتمثل في تبخيس قانون الصوت الواحد، والمطالبة بسرعة تغييره او تطويره، توخياً للحق والعدل والمساواة، ولا شيء آخر·
هذا هو الحق الذي يُراد به الباطل، والرقص المحلي على انغام دولية، والزفة الاعلامية التي تستهدف التزوير وليس التنوير·· التعمية والتشويش وليس الشرح والتوضيح، ففي عصر الميديا والبروبوغندا لم تعد الحقيقة هي المهمة بل صورتها في اذهان الناس، ولم تعد الفكرة هي الاساس بل طريقة اخراجها وانتاجها وترويجها في اسواق التداول العمومي، ولم تعد قوة المصداقية هي الشرط الضروري للخطاب الاعلامي، بل قوة الجذب والاقناع ولو بشروط زائفة وادوات تضليلية·
اما حقيقة الحكاية – يا سادة يا كرام – وبعيداً عن التهويش الكلامي والاعلامي، فليس لها كثير صلة او علاقة بالاصلاح السياسي، او حتى المعادلة الداخلية، وانما هي مرتبطة اشد الارتباط بالاستحقاقات الاقليمية (الشرق اوسطية) والترتيبات السلمية الامريكية في عهد الاخ اوباما الذي بات من الواضح تماماً انه قد اشترط على العرب تقديم تنازلين هامين ومسبقين لحساب نتنياهو وليبرمان، قبل اي تحرك جدي نحو التسوية الاوبامية التي لن تؤدي في حال نجاحها – لا سمح الله – الا الى تصفية القضية الفلسطينية، ورميها وراء ظهر التاريخ·
ولن نكشف سراً، او نضيف جديداً، حين نقول ان مسيلمة الامريكي قد طلب من بني يعرب الكرام التبرع بالتوطين والتطوع للتطبيع سلفاً ومجاناً وقبل صياح الديك، وعلى سبيل “العربون” الذي قد يقوي مركز نتنياهو امام خصومه في الاحزاب الاخرى، ويشجعه بالتالي على تقديم تنازلات حاتمية للسلطة الفلسطينية، ما دام حق العودة قد اصبح في خبر كان، وشرط التطبيع قد سبق شرط السلام العادل والشامل الذي طالما تغنى به قادة العرب، واعتبروه شرطاً مفتاحياً يتعين ان يسبق كل ما عداه من آليات عملية التسوية ومفرداتها·
وباستثناء السعودية، فقد اذعنت سائر دول الاعتدال العربي لاملاءات اوباما وتخريجات الست هيلاري التي ايدت بوقاحة بالغة حق اسرائيل في التوسع الاستيطاني، ولكنها انكرت الحق العربي في تأجيل التوطين والتطبيع لما بعد انجاز هدف السلام، كما انهمكت في حمل مصر والمغرب وتونس والاردن ودول الخليج العربية على مباشرة التوطين والتطبيع فوراً ودون انتظار “جودو”·· بطل المسرحية صموئيل بيكيت المعروفة الذي لا يأتي ابداً، رغم طول انتظاره·
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: