Posted by: hamede | January 5, 2010

المدونة·· ازمة المستوى والمحتوى

فهد الريماوي

يبدأ الانحطاط حين لا تعود الكلمات تعبر عن معانيها
                                                                 (لينين
)

نعرفها جيداً مقولات “الحق الذي يراد به الباطل”، وادبيات “القدح في معرض المدح”، واساليب دس السم في ثنايا الدسم، او تلفيق العناوين البراقة للمضامين الملغومة، او وضع النقاط الحمراء فوق الحروف السمحاء
من هنا لم تنطل علينا للحظة واحدة، المرامي الخفية والاهداف الحقيقية لمدونة السلوك التي اصطنعتها الحكومة مؤخراً للتعامل مع الصحافة تحديداً، وباقي وسائل الاعلام على وجه الاجمالورغم ان هذه المدونة العتيدة قد اثقلت ذاتها بالحديث عن ضمان حرية الصحافة، وحقها في العمل بمهنية واستقلالية، وصونها من الارتشاء والارتزاق والممارسات اللا اخلاقية، ومنع منتسبيها من العمل في الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية·· الا ان كل هذا الكلام المنطقي والاخلاقي والمقبول تماماً، ليس اكثر من ذرٍ للرماد في العيون يراد به التستر على الاهداف المبيتة لهذه المدونة التي تحمل في ظاهرها الرحمة، وفي باطنها العذاب الاليم
اما العذاب الاليم يا سادة، والذي يستهدف بضع صحف مشاكسة بينها “المجد”، فيتمثل في البند الثالث من هذه المدونة العقابية، والقاضي “بوقف كل الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية والعامة والبلديات عن الاشتراك المباشر في الصحف، على ان تتم تلبية حاجات هذه الوزارات والدوائر والمؤسسات عن طريق الشراء المباشر من السوق، وفق معايير واضحة يقرها مجلس الوزراء
بالضبط، هذا هو القصد الاول والاساس من هذه المدونة العجيبة وغير المسبوقة في تاريخ الصحافة الاردنية وربما العالمية·· اما “بيت القصيد” ذو المغزى المستتر خلف معسول الكلام، فهو حرمان جمع القلة من الصحف المغضوب عليها من الاشتراكات الحكومية والرسمية التي تشكل رافداً مالياً شرعياً وقانونياً من شأنه، مهما كان ضئيلاً، ان يُبقي هذه الصحف المكدودة على قيد الحياةلن تتأثر الصحف الكبرى والمرضي عنها بقطع الاشتراكات الحكومية، بافتراض حصول هذا القطع فعلاً، نظراً لأن اقدام الدوائر الحكومية على شرائها من الاسواق امر مفروغ منه، بل لعله بمثابة “فرض عين” على هذه الدوائر، ونظراً ايضاً لان مواردها الضخمة من الحملات الاعلانية، والخدمات الطباعية تكفيها وتغنيها·· في حين يشكل قطع هذه الاشتراكات ضربة موجعة للصحف النخبوية والاسبوعية التي تعاني الامرين في سبيل الحصول على اعلان زهيد، او توزيع شحيح، او اشتراك محدود، حتى اصبحنا في “المجد” ننادي على اصدقائنا بشراء نسختين بدل واحدة من كل اصدار
نحن في “المجد” ظفرنا منذ انطلاقتنا عام 1994م، ايام كانت الدنيا غير هذه الدنيا، باشتراكات من لدن السلطات الثلاث مجتمعة لا تزيد على المئة نسخة من كل اصدار، وقد حافظنا “بقوة الاستمرار” على نصف هذه الاشتراكات فقط حتى اليوم، ولكن رغم ان قطعها دفعة واحدة، وضمن هذه الظروف المالية والاقتصادية البائسة، سوف يضاعف من تعثرنا وخسائرنا، الا اننا غير آسفين على هذا الاجراء الانتقامي، ولعلنا جاهزون لتقديم هذه الاشتراكات مجاناً، اكراماً لعيون الحكومة، والتزاماً بسد بعض العجز في موازنة الدولة·
نحن لا نحتاج لمن يدلنا على المهنية والموضوعية والاخلاق الحميدة، تحت وطأة المعاقبة بقطع الارزاق، فها هي ستة عشر عاماً تشهد لنا حتى بألسنة خصومنا، باننا من سدنة ارقى الالتزامات المهنية، واعلى درجات المصداقية، وافضل مستويات النشر والتعبير والجملة الصحفية النظيفة·· وقد سبق لاحدى الحكومات ان راودتنا عن بعض مواقفنا قبل بضع سنوات، لقاء اشتراك سنوي كامل الدسم، ولكننا كنا من الرافضين، وارجعوا الى سجلات رئاسة الوزراء لكي تتثبتوا من صدق ما نقول
كنا نأمل من اصحاب هذه المدونة الفوقية والاستعلائية
والمتخمة بالعقوبات الجماعية، ان يقدروا ظروف الصحافة الورقية التي تعاني عالمياً جملة مشاكل وازمات، وان يبادروا الى نجدتها من خلال سن تشريع ادبي وقانوني يساويها بالاحزاب السياسية، ويوفر لها بالتالي ما تيسر من العون اللائق بصحافة الوطن·· كنا نأمل ان يتصدى هؤلاء “المدونون” بحزم في مدونتهم لجريمة الرقابة المسبقة على الصحف التي تقترفها خفافيش المطابع من خارج القانون، وبغير وجه حق، وتحت جنح الظلام·· ولكن خاب الظن وغاب الامل·
اما القضاء على آفة الارتشاء والارتزاق والابتزاز التي تقول المدونة انها تتوخاه وتستهدفه، فامره سهل، ودربه معروف، وشرطه يتلخص في تحلي رجال الدولة وكبار المسؤولين بقسط وافر من الشجاعة الادبية والمناعة الاخلاقية، والتعالي على ثقافة الاعطيات والاكراميات، والصمود في وجه جرذان الابتزازات·· ذلك لأن المسؤول الذي يخضع للابتزاز، او الذي يطرب لمقولة “اليد العليا”، غير جدير بامانة المسؤولية، او شرف الوظيفة العامة
حين سمعنا بامر مدونة السلوك التي “ستنظم” العلاقة بين الحكومة والمنابر الاعلامية، توهمنا اننا بصدد اطروحة فكرية جامعة مانعة تستحق اسمها، وتعكس مقام مطلقيها، وتليق بمستوى متلقيها، وتنطوي على رؤية شاملة، ومنظومة متكاملة لترتيب وتهذيب وتصويب العلاقة القائمة بين صنّاع القرار واصحاب الاقلام والافكار، في هذه المرحلة التي تشهد تداخلاً عجيباً بين “الصناعات الابداعية” السياسية منها والثقافية والاعلامية·· غير اننا فوجئنا، وربما فجعنا، بصدور وريقة فجة ومسلوقة على عجل، وقريبة الشبه بتعليمات دائرة السير للسواقين، وخالية تماماً من اية مضامين او ابعاد او تصورات جادة ومعمقة تحدد فلسفة العلاقة، وجدلية التعامل بين السلطة التنفيذية والسلطة الرابعة، كما يقال عن الصحافة
غير ان ما يبعث على الدهشة، هو حديث هذه المدونة من موقع الاحتقار والاستنكار عن “الشعبية الآنية”، تماماً كما لو انها رجس من عمل الشيطان، مع ان الشعبية هدف مركزي بالغ الاهمية يسعى اليه كل القادة والنجوم والحكام والحكومات وحتى فرق كرة القدم، ناهيك عن انها السبب والمبرر لكل استطلاعات الرأي العام التي تجري في سائر دول العالم·· كنا نود لو ان المدونة تحدثت بلغة الرفض والاستنكار عن “شراء الشعبية” او التماس الشعبية باي ثمن، ولكن ان يجري الحديث عن الشعبية بشكل مطلق، سواء كانت آنية او ابدية، فذلك من غرائب الامور وعجائب الدهور التي لا تدركها وتتمسك بها الا الحكومات الاستعلائية الهابطة على الناس بالمظلة، وليست النابعة من قلب الشعب وضميره ووجدانه
لقد سبق لحكومة معروف البخيت ان غضبت على الصحافة الاسبوعية غضبة مضرية، وارادت قصم ظهرها عن طريق فرض مبالغ طائلة عليها بدعوى التهرب من ضريبة المبيعات، وقد حمانا القضاء الشجاع من مغبة تنفيذ هذا القرار التعسفي الى حين تشكيل حكومة نادر الذهبي التي لم تتردد، حين فهمت الملابسات، عن اعدام هذا القرار الذي كان مرشحاً لابادة الصحافة الاسبوعية، و”المجد” بالطبع في طليعة الضحايا
وعليه·· مؤسف اشد الاسف ان تبدأ الحكومة الجديدة عهدها الواعد بهذه المدونة التأديبية التي من شأنها تعكير صفو العلاقة مع الصحافة العفيفة والشريفة، ولعله لا يسعد هذه الحكومة او غيرها ان يسجل التاريخ عليها انها قد تسببت، بقصد او بغير قصد، في اخذ الصالح بجريرة الطالح، واستعجال التخاصم وليس التفاهم، وضرب اصوات ومنابر وطنية وقومية محترمة·· والتاريخ – يا سادة – لا يرحم

almajd

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: