Posted by: hamede | May 7, 2010

بيان الستين.. محاولة بشعة لتجميل الإقليمية

 

يوم الخامس من شهر كانون الأول من عام 1978 ، كتبت في زاوية ( 7 أيام ) في صحيفة الرأي مقالة بعنوان ( إننا نقتل الجياد أيضا ) وكان موضوعها المتقاعدين العسكريين وأوضاعهم المعيشية ، ومن المؤكد أن الألوية والعمداء والعقداء الذين تقاعدوا بعد خدمة طويلة ونبيلة في خندق الجيش العربي ، لا بد ويذكرون تلك المقالة وكيف كانوا يتحدثون عنها كلما التقى بهم قائدهم الراحل المغفور له جلالة الحسين ، وبعد نشرها بفترة قصيرة أصدر رحمه الله تعليماته بتعديل واسع وشامل على معاشات المتقاعدين العسكريين ، ثم تواصلت التعديلات لان ابسط حقوق جنودنا وضباطنا أن ينالوا حقوقهم الأساسية في وطن نذروا أنفسهم للاستشهاد من اجله ، لا طلبا لمال ولا سعيا لمنصب ولا بحثا عن جاه وإنما طلبا لمرضاة الله ومرضاة الوطن ومرضاة الشعب ودفاعا عن بقعة مقدسة من هذا العالم ، ينتسبون إليها ويعتزون بها ويقاتلون كل عدو دفاعا عنها ، وكانت تلك المقالة بداية لسلسلة من المقالات اعتز أنني كتبتها دفاعا عن مؤسستنا العسكرية ، قمة جبالنا وخصوبة سهولنا وماء أرضننا ووجوهنا وتستحق منا ما هو أكثر من الاعزاز والاعتزاز واكبر من كل تقدير وتقييم.

 وأمام بيان الستين الذي أصدره عسكريون متقاعدون أجد من واجبي أن أبدا الحديث بتوجيه التحية التي لا اكبر منها سوى الوطن لكل جندي وضابط صف وضابط ، من لم يزل في خندقنا العربي الأردني أو غادره بعد تلك الخدمة الطويلة والنبيلة والخطيرة في قواتنا المسلحة الباسلة ، ظلوا خلال كل نهاراتها ولياليها مشاريع شهداء يطلبون جنة الله لا متاع الدنيا وزفرها ومناصبها وألقابها ، فكلمة شهيد على نصب قبر هي الأكثر قداسة من كلمة دولة أو معالي أو عطوفة ، هؤلاء المتقاعدون العسكريون ، رحم الله من قضى منهم وأمد الله في أعمار من ما يزالون بيننا يمثلون معالم الطريق ، كسا الشيب رؤوسهم ووجوههم ، دون أن تنحني رأس واحدة أو يقترب سواد من وجه ، وما زالوا مستعدين للدفاع عن عشب الوطن وعن شوكة وعن مدن الوطن وعن قراه ، وعن شوارعه وأزقته وعن خبزه وملحه وبصله وطوابينه ، ازدادوا باللقمة انتماء له وازدادوا بالجوع التصاقا به ، وكانت لهم وما تزال هيبة الجند الذين عاهدوا الله وما خذلوه وعاهدوا الوطن ولم يديروا ظهرا له ، لهذا كله جرحني بيان الستين متقاعدا ، لأننا وان نتفق مع كل أمر فيه عشقا لوطننا وخدمة لشعبنا ، نختلف معهم في الكثير مما ورد فيه من إساءة للوطن ووحدته وقيادته ومواطنيه ، وهنا أود أن أقول أن هناك ألف سبب وسببا للتعبير عن محبتنا لوطننا وحرصنا على أهله وقيادته وتميزه وسيادة العدل والمساواة في كل زاوية منه ، وهذه الأسباب تبدأ بأجملها وهو عشق الآباء والأمهات للأبناء وتنتهي باسوأها وابشعها وهو عشق الدببة لأصحابها ، والحكاية معروفة عندما يحمل الدب حجرا كبيرا يطرد به ذبابة عن وجه صاحبه فيهشم وجهه ورأسه وتطير الذبابة دون أن يمسها أذى .

 

لا احد سوى الله يستطيع أن يحاسب الناس على نواياهم ، لأنه وحده العليم بها ، ومن هنا فإنني لا أستطيع ان أوجه اتهاما عن أسباب إصدار البيان – الخطيئة – ولا أن ادعي كما يزعم البعض انه محاولة لابتزاز المسؤولين من اجل منصب أو امتياز ، لثقتي بان من نذر شبابه للوطن ومارس استعداده للاستشهاد من اجله لا يعقل أن يختتم تقدمه في السن وشيخوخته في العمل طالبا للقب معالي أو لقب عطوفة أو لقب سعادة ، واعترف أنني بحثت عن نفس وطني في البيان يؤكد صدق موقعيه وغيرتهم على وطنهم فلم أجد سوى النفس الإقليمي المدان والدعوة إلى الفتنه والسعي إلى ضرب الوحدة الوطنية التي هي العمود الفقري للوطن ولكل وطن آخر ، ولا اعتقد أنهم نسوا كلمات الحسين العظيم التي كررها مرة بعد أخرى ( عدو الوحدة الوطنية عدوي إلى يوم القيامة ) وفات هؤلاء الستين حقيقة لا ينكرها سوى جاهل أو ساذج وهي أن كل مواد التجميل في العالم لا تستطيع تجميل الإقليمية وتظهرها بمظهر الوطنية ، وكأن الذين صاغوا البيان على ما جاء عليه أعلنوا دون أن يدروا أن النوايا لم تكن إسلامية أو مسيحية أو عربية أو أردنية ، ولكنها مجرد نوايا ستين موقعا على البيان لا يمثلون أكثر من مائة وأربعين ألف متقاعد عسكري لم يفوضوهم بإصدار البيان ولا بإعلانه باسم هؤلاء العسكريين الغائبين عن إجماع الموقر.

 

نعرف جميعا أن المتقاعد العسكري يختلف تماما عن المتقاعد المدني ، فتقاعد العسكري يعني أمرا واحدا هو تخليه عن لباسه العسكري وبقاءه أمام مسؤولياته والتزاماته وما تربى عليه من ضبط وربط ، يلزمانه بالبقاء حتى آخر دقيقة من العمر وفيا لجيشه العربي وملتزما بكل أوامره ونواهيه ، ولو أن هؤلاء الستين الموقعين على بيانهم فكروا نصف مرة وليس عشر مرات ، وعدوا حتى الرقم اثنين وليس حتى الرقم عشرة ، لأدركوا بسهولة أنهم بما قالوه سعوا لانقلاب فاشل – والحمد لله – على وطنهم وقيادتهم ووحدة شعبهم وحتى تاريخهم وشرفهم العسكريين ، ولا اخفي أنني أحسست بأنهم كانون ضحية خداع مارسه عليهم مسؤولون سابقون وحاليون ممن يتصدرون المشهد الإقليمي وينظرون للإقليمية البغيضة ويدعون إلى طرد نصف الأردنيين من وطنهم ، وكأن القوانين الأردنية والقوانين الدولية و القوانين الأخلاقية والقوانين الإنسانية تسمح بمجزرة على هذه الدرجة من الحقد والبشاعة والرخص .

 

إن الكلام الإقليمي الذي غص به البيان يدفعنا إلى طرح تساؤلات كثيرة ، وهنا أشير وبكل وضوح ، لان الصمت أمام هذا البيان الخطيئة هو مشاركة في الجريمة ، ففي دعوة الستين إلى نفير عام كان البند الأول من الجزء الثاني من أهداف هؤلاء جاء بالحرف الواحد يقول : التأكيد على أن الدستور الأردني لا يمنح أيا كان ، وكائنا من كان أية سلطات إلا لجلالة الملك من دون شراكة احد بغض النظر عن صلة القرابة أو اللقب ) هذا الكلام الذي يفتقد للعقلانية وللمسؤولية ويعبر بوضوح عن عدم احترام للقائد والقيادة لا يختلف في أسلوبه ومضمونه عن تلك الهتافات الرخيصة التي كان يطلقها جهلة وفاسدون في الملاعب الرياضية ، ولا أجد حرجا من إيرادها مع معرفتي أن الستين موقعا على البيان كانت أمامهم وهم يقدمون هذه المطالبة في البيان -الخطيئة ، لقد كان أولئك الجهلة يهتفون ضد جلالة الملكة رانيا ويتوجهون بكلامهم إلى جلالة الملك – حفظه الله – قائلين ( واحد اثنين … واحد اثنين… طلقها يا أبو حسين ) ولم يكن في رؤوسهم من سبب للهتاف بهكذا هتاف سوى أن جلالتها تنحدر من اصل فلسطيني ، فهل بلغت التفاهة والأحقاد والإقليمية والتآمر على وحدة الشعب هذا الحد من العبث بأغلى وأنبل ما لدينا وهو وحدتنا الوطنية والأسرة الأردنية الواحدة ، والأردنيون من شتى المنابت والأصول .

( التلفزيون الأردني في ظل أدارته الجديدة استبدل تعبير الأسرة الأردنية الواحدة بتعبير الأسرة الأردنية الكبيرة لان التعبير الأول والذي أطلقه جلالة المغفور له كان يشير إلى وحدة الشعبين الأردني والفلسطيني ) .

 

ومسألة أخرى حاول الإقليميون ويحاولون تثبيتها في أذهان المواطنين وهي تتعلق بالحديث عن ( قرار ) فك الارتباط ، إذ ليس هناك أي قرار يتعلق بفك الارتباط ، وخطاب المغفور له مجرد خطاب سياسي لا يلغي الدستور الأردني ومقتضياته ومواده ، لقد أصدر الكيان الصهيوني تعديلا على قرار سابق له ويحمل الرقم 1650 وتوقيع القائد العسكري الصهيوني للضفة الغربية ، ويستهدف طرد الفلسطينيين من وطنهم ، والإقليميون عندنا لم يصدروا قرارا ، ولم يقرر مجلس النواب الأردني قانوناً للانفصال عن الضفة الغربية ، ولم تصدر إرادة ملكية بالتصديق على هكذا قانون لم يصدر ، ومن هنا يبدو التشابه بين الصهاينة والإقليميين الأردنيين في طرد الفلسطينيين من أرضهم وطرد الأردنيين المنحدرين من فلسطين من أرضهم مع فارق أن لديهم قرارا يحمل رقما ويحمل توقيعا ونحن لدينا تعليمات شفوية يقوم على تنفيذها وتفسيرها وتغييرها موظفون يتلقون الأمر وينفذون دون أن تتحرك الدولة لوقف هذه المأساة المخجلة بالنسبة لكل أردني يعتز بانتمائه القومي ، فيا أيها الشعب الفلسطيني العظيم المقاتل المقاوم المجاهد أين المفر العدو الصهيوني وراءكم والإقليميون الأردنيون أمامكم ولكن الوطن الواحد هو الذي سينتصر على كل أعدائه .

 

ولا يتردد الستون موقعا على البيان – الخطيئة عن التشكيك في أردنية ووطنية رجال خدموا الوطن وخدموا القيادة ولهم في تاريخنا صفحات مشرقة . ومع هذا يرى البيان أنهم لا يستحقون تولى مسؤوليات في بلدنا وحسبي أن أشير إلى دولة الأخ طاهر المصري رئيس مجلس الأعيان ودولة الأخ سمير الرفاعي رئيس الوزراء ومعالي الأستاذ راتب الوزني رئيس السلطة القضائية ، إن التشكيك في اردنيتهم وفي وطنيتهم أمر يعيب المشككين الذين أعماهم الحقد والبحث عن الامتيازات عن رؤية الحقائق التي يراها كل ذي بصر وبصيرة .

 

 

لقد طلب جلالة الملك منا التوقف عن الحديث في الوطن البديل ، ومع هذا فان الإقليمين الأردنيين يتوهمون أن مواصلة الحديث عن هذا الموضوع هو شهادة لهم على وطنيتهم وإخلاصهم لبلدهم الذي بمجرد التفكير بتقسيم الناس نكسر ظهره ونكسر أحلامه ونكسر استقراره ونكسر حتى وجوده ، فالأوطان تكون بشعوبها وليس بترابها وبنيانها ، ومع أن قوانيننا تحدد عقوبات على من يدعون إلى فتنه طائفية أو فتنه إقليمية ، فان مجرد سكوت الحكومات على النفر الذي يقف وراء إثارة الفتنة يمثل إدانة لها ويستوجب محاسبتها بقسوة .

 

اعرف أن الستين موقعا على البيان مواطنون أردنيون ، ولكن المواطنة ليست مجرد جواز سفر ودفتر عائلة ورقم وطني ، إنها التزام تام بتحمل المسؤولية وبالانتماء الشجاع المبارك والبرئ من أي حس طائفي أو إقليمي أو جهوي ، ولأنه لا يجوز الاكتفاء بإهمال البيان وإهمال الموقعين فإنني ادعو إلى محاسبة كل عابث بأمن الأردن ووحدته واستقراره ، لان هؤلاء العابثين هم الإرهابيون الحقيقيون الذين يجب أن نواجههم داخل البيت وليس بعيدا عنه ، وبيان الستين بكل الذكاء المحدود أو غير المحدود قدم أصحابه لنا بوجوههم الحقيقية وتوجهاتهم الحقيقية وأهدافهم الحقيقية وصلفهم في تحدي الوطن ، فالوطن ليس حكومة ووزراء ومسؤولين ولكنه وحدة وانتماء وشجاعة ومواجهة ، ولو لا قدر الله اتيح لهؤلاء تحقيق أوهامهم ب ( تطهير ) الأردن من مواطنيه المنحدرين من اصل فلسطيني وأقمنا وإياهم وحدة حققت المعجزات على تراب بلدنا ، فسيواصلون عملهم بطرد الشركس ثم الشيشان ثم الدروز ثم الذين يعيشون بيننا مواطنين مثلنا قدموا من سوريا ولبنان أو المغرب العربي والسعودية وغيرها وغيرها ، لخرجوا يطالبون بطرد الهاشميين باعتبارهم حجازيين ، وهذا الكلام الذي اكتبه هنا قلته بين يدي جلالة المغفور له وأمام رئيس وزراء ورئيس ديوان ملكي ومسؤولين كبار ورؤساء تحرير صحف إذ عندما يكون الوطن في خطر فلا يجوز الامتناع عن قول ما يجب أن يقال والا ارتكبت خيانة الصمت .

 

مؤخرا كتب احد منظري الإقليمية في بلدنا مؤكدا أن الأردنيين في الأردن هم المسيحيون والبدو فقط ، أما باقي المواطنين فقد جاءوا إلى الأردن بمن فيهم كاتب هذه السطور الذي حارب أجداده في معركة مؤته ومن المؤكد أنه أردني وليس فلسطينيا أو ايطاليا أو اسبانياً ، ولا ادري متى سيأتي يوم يطاردني فيه هذا الإقليمي في أردنيتي كما يطاردني الآن في عروبتي .

 

ودعاء لله سبحانه وتعالى ( اللهم احفظ لي لساني كما حفظت لابن عمي موفق محادين لسانه انك سميع مجيب ) .

خالد محادين

Advertisements

Responses

  1. […] This post was mentioned on Twitter by Qwaider Planet, Abe star . Abe star said: بيان الستين.. محاولة بشعة لتجميل الإقليمية #Uncategorized → http://bit.ly/cgIbNG […]

  2. […] هذا البيان الخطيئة هو مشاركة في الجريمة” كان رد خالد تعليقا على بيان المتقاعدين العسكريين. يستغرب خالد […]

  3. كلمات في صميم الصميم
    استشراف لمدى الخطر و -الغباء- عند بعض مروّجي سخافات كبيرة

  4. “الستون متقاعدا” والتاريخ الذي لا يرحم!
    قبل بضعة أيام قامت الدنيا ولم تقعد بعد أن قام الكاتب الأردني سامر أبو لبدة بنشر مقالة بعنوان”مملكة الأبارتهايد الهاشمية” في الصحيفة الصهيونية المعروفة”جروسالم بوست”, وأهم ما جاء فيها هو مطالبته للمجتمع الدولي بالتدخل لوقف سياسة الفصل العنصري ضد الأردنيين من أصل فلسطيني، ويحذر من تنامي التوتر العرقي في الأردن, والذي تمثل بوضوح في سحب الجنسية الأردنية من قرابة ثلاثة الاف مواطن أردني من أصول فلسطينية. وبعد يومين من نشره لمقالته هذه خرج علينا متقاعدون عسكريون أردنيون باصدار بيان يدعون فيه بأنهم يحاربون فكرة اعتبار الأردن الوطن البديل للفلسطينيين والدفاع عن القضية الفلسطينية, ولكن من يقرأ بيانهم بتعمق, فانه يدرك بأن كل ما يدعون اليه هو تهجير الأردنيين من أصل فلسطيني وابعادهم عن الأردن..انها نظرة اقليمية بغيظة تدعو في نهاية الأمر الى طرد أكثر من نصف الأردنيين من وطنهم، وكأن القوانين الأردنية والدولية والأخلاقية والإنسانية تسمح بمجزرة على هذه الدرجة من الحقد والكراهية والبشاعة والرخص, ولا فرق بين هذا التهجير و”الترانزفير” الذي بدأ الصهاينة بتنفيذه بحق أكثر من سبعين الف فلسطيني يقيمون في الضفة الغربية المحتلة. فيما يخص مقالة أبو لبدة, فقد اتهمه البعض بأنه مارق وقام”بعض اليد” التي أعانته ورعته ومنحته المواطنة الأردنية, ورأيي الشخصي انه تجاوز حدوده في نشر مقاله في صحيفة صهيونية حاقدة, ولكن وللانصاف نقول: لو أراد هذا الكاتب نشر مقاله في صحيفة أردنية, هل يا ترى سيتم النشر وبغض النظر اذا كنا نتفق معه أو نختلف؟, ومن هنا نطالب وسائل الاعلام الأردنية أن ترفع من سقف حرياتها قبل ان تنتقد من يلجأ للنشر في صحف عدوة, وحتى لا يقوم بعض السطحيين بفهمي بصورة خاطئة ومنقوصة فانني أرفض جملة وتفصيلا قيام البعض بالاستقواء بصحافة العدو على وطنهم وكيانهم وشعبهم. أختلف مع”أبو لبدة” في بعض النقاط وصورة طرحها وأتفق معه في أمور أخرى واضحة كوضوح الشمس, ولا داعي للخوض بتفاصيلها. والى”شلة الستين متقاعدا” أقول ما قاله الكاتب الأردني المناضل خالد محادين في رده عليهم”بيان الستين..محاولة بشعة لتجميل الإقليمي”:”هل بلغت التفاهة والأحقاد والإقليمية والتآمر على وحدة الشعب هذا الحد من العبث بأغلى وأنبل ما لدينا وهو وحدتنا الوطنية والأسرة الأردنية الواحدة والأردنيون من شتى المنابت والأصول؟”. كنا نتوقع من هؤلاء العسكريين أن يتعاملوا مع ما طرحوه بموضوعية وعقلانية, ولكن ما العمل, اذا بلغت الكراهية والحقد الى هذا الحد؟, انه حقد أعمى لا مبرر له. وكذلك كنا نتوقع ممن هاجموا أبو لبدة بأن يقوموا بمهاجمة هؤلاء المتقاعدين الذين أساءوا للأردن ومواطنيه بكافة شرائحهم ووحدته الوطنية. ولكي نكون صادقين مع أنفسنا ولكي لا يتهمنا البعض بالانحياز لطرف على حساب طرف اخر, وقضية على حساب قضية أخرى, فيتوجب علينا أن نقوم بالنظر من جديد الى تعريف المواطنة من باب التذكير..فذكر ان نفعت الذكرى: يقصد بالمواطنة العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على أي معايير تحكمية مثل الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري. ومن المهم هنا التأكيد على أن المواطنة ليست فقط مجموعة من النصوص والمواد القانونية التي تثبت مجموعة من الحقوق لأعضاء جماعة معينة كما قد يعكسه دستور هذه الجماعة وقوانينها، بل يشترط أيضا وعي الإنسان داخل هذه الجماعة بأنه مواطن أصيل في بلاده وليس مجرد مقيم يخضع لنظام معين دون أن يشارك في صنع القرارات داخل هذا النظام، فالوعي بالمواطنة يعتبر نقطة البدء الأساسية في تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى بلاده وإلى شركائه في صفة المواطنة، وبالتالي فممارسة المواطنة كنشاط داخل المجتمع لا تتم بشكل عرضي أو مرحلي كما هو الحال بالنسبة للانتخابات بل هي عملية تتم بشكل منتظم ومتواصل وبطرق صغيرة وعديدة وبتفاصيل لا تعد، هي جزء من نسيج حياتنا اليومية، لهذا فالوعي بالمواطنة وممارستها يتطلب التربية على ثقافة المواطنة بكل ما تحمله من قيم وما تحتاجه من مهارات. ومن هنا نقول للمتقاعدين الذين جانبهم الصواب والرشد وضلوا السراط المستقيم, ما قاله دولة رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات في مقاله القيم”كيف نواجه فكرة الوطن البديل”:(لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تفهم العلاقة الأردنية الفلسطينية أو أن تستغل أي حالة فيها من أي طرف وتحت أي ظرف لتصبح مدخلاً للانتقاص من حقوق المواطنة وواجباتها، أو سبباً لإضعاف الدولة الأردنية من الداخل، وخلق الظروف التي تؤدي إلى تمرير المشروع الصهيوني لتحويل الأردن إلى بديل عن فلسطين. وبهذا المفهوم يصبح الالتزام بأمن الأردن الوطني والقومي مسؤولية تقع على عاتق المواطنين جميعاً، مثلما يؤكد ذلك نضالهم وتضحياتهم الموصولة في سبيل تحرير فلسطين والحفاظ على الأردن وعروبته)..انها كلمات ناطقة معبرة, نتمنى من المتقاعدين ومن يؤيدهم أن يتعظوا منها ويعملوا بها. وانطلاقاً من كل ما أسلفت, فإنني أوجهها نصيحة مجانية لكل من تسول له نفسه بالتطاول على الفلسطينيين وقضيتهم ومن اواهم من الأردنيين الشرفاء:الوحدة الوطنية الأردنية هي الصخرة الصلبة التي تتحطم عندها كل الصخور, وهي التي تقوم عليها العلاقة الوثيقة بين جميع المواطنين في الدولة الأردنية. والى هؤلاء المتقاعدين ومن يدور في فلكهم, أقول:لماذا لا تتخذوا من الدكتور يعقوب زيادين مثالا يحتذى به؟, فقد وجد هذا الطبيب الشاب عند تخرّجه عملاً في مستشفى”أوغستا فيكتوريا” أو”المطلع” في القدس، فضمن من خلاله مأوى ومصدر دخل..أضرب مع كامل أطباء المستشفى وممرضيه عن العمل، إثر قرار وكالة الغوث بإغلاق المستشفى، ونجح في النهاية بالتصدي للقرار. آنذاك، قابل الدكتور زيادين مندوب وكالة الغوث الأميركي”الملوّن”، فنصحه:”عد إلى أميركا ودافع عن حقوق الملوّنين، عوضاً عن إلحاق الأذى بضحايا العدوان الأميركي الصهيوني”.لقد ازدادت شعبيته بين المقدسيين بعد التصدي لقرار إغلاق المستشفى، حتى جاءت انتخابات 1956 وفاز فيها عن مقعد القدس المسيحي رغم أنه من مواليد مدينة الكرك. لقد كانت اللحمة بين الشعبين الأردني والفلسطيني مثالا يحتذى به, وقد ظهر هذا الأمر جليا على أرض الواقع, وكبار السن يشهدون ويقرون به, وما شهادة الدكتور زيادين لهي أكبر دليل على ذلك, وعلى من يريد التأكد من هذه الحقيقة فعليه الرجوع لكتاب”البدايات” للدكتور زيادين, وفي مقدمته يطول حديث الكاتب عن تجربة الشعبين الأردني والفلسطيني، النضالية، لتكون رافداً قوياً من روافد نضال حركة التحرر الوطني العربية، من أجل دحر الثالوث الإمبريالي الصهيوني الرجعي، ومن أجل أن ترتفع خفاقة عالية رايات الحرية والديمقراطية والكرامة فوق كل أرض عربية. ان هذا الكتاب يعتبر وثيقة من أهم وثائق التاريخ الوطني في الأردن، نتعرف من خلاله على المجرى المعقد الصعب الذي سلكته الحركة الوطنية الأردنية خلال سنوات طويلة دفاعاً عن الكرامة الوطنية لجماهير الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني، بحيث لم تبخل الألوف من خيرة أبناء الشعبين عن بذل دمائها، لتظل إرادة الشعب أقوى من كل الإرادات، ولتبقى شعارات العداء للإمبريالية والصهيونية والرجعية، خفاقة عالية تحف بها دماء الشهداء وتضحيات المناضلين. تحية للدكتور يعقوب زيادين ولرفاقه الذين شاركوه مرارة السجون والمعتقلات، وما زالوا على الدرب سائرين. وفي الختام أقول بأن الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين, وانني على ثقة تامة بأن الفلسطينيين المشتتين في كافة بقاع الأرض بما فيهم المتواجدين في الأردن سيعودون الى قراهم ومدنهم في فلسطين بعد تحريرها من بحرها الى نهرها, وان هذا اليوم ات لا محالة. والى”الستين متقاعدا” أقول:عودوا للتاريخ فانه لا يرحم, لعل الله يرحمكم. د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة

  5. […] بيان الستين.. محاولة بشعة لتجميل الإقليمية مايو 16, 2010 alraipress أضف تعليقاً Go to comments بيان الستين.. محاولة بشعة لتجميل الإقليمية […]


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: