Posted by: hamede | May 17, 2010

ثقافة انتجت طلعت حرب وعبدالناصر وشوقي وهيكل وام كلثوم: في آخر الحروب عندما طبق المصريون برنامجا للجودة من ابتكارهم

في صباي كان يستهويني الجلوس على محطة السكة الحديد، وبينما أقرأ احدى روايات الجيب، استريح احيانا وأرقب القطارات والقادمين والمسافرين والمودعين، وأستمتع اكثر بمشهد المبنى الفيكتوري العتيق، والمقاعد الخشبية الانيقة التي تظللها أشجار الفيكس المشذبة النضرة ،على طول الرصيف النظيف، الموازي للمجرى الرائق لأقدم وأطول وأوسع ممر مائي محفور بعد قناه السويس، وهو (ترعة الابراهيمية)، التي ترافق القطارات من أسيوط إلى القاهرة، وكان يشدني مظهر العاملين في المحطة، المعتزين بذواتهم والمتأنقين في ملبسهم المميز حينذاك، وكانت تلك احد متعي القليلة المتاحة في مدينتا الصغيرة، من يومها علق بذهني مشهد استغرق تفسيره أكثر من خمسين عاما، مشهد عمال السكة الحديد بزيهم المعروف آنذاك، وهم يدفعون بأيديهم مايشبه مقعد يتحرك على القضبان باربع عجلات ،يجلس على المقعد رجل يرتدي غطاء رأس واق من الشمس، وكان العمال بينما يدفعون المقعد، يرددون بعضا من أهازيج، على وقعها (أو هكذا خيل إلي حينئذ) يحرك الرجل راسه يمينا ويسارا باستمرار، واحيانا يتوقف الركب فجأة باشارة من الرجل، الذي ينزل من على الكرسي، ويجلس القرفصاء، ليتفحص عن قرب شيئا، ثم يصدر تعليماته باجراء عمل ما ،ومن ثم يخرج العمال بعض الالات من صندوق ملحق بخلفية الكرسي، ويبدأ العمل وينتهي، وتوضع العدد في اماكنها ويستأنف الجميع المسير بنفس الوتيرة يرددون اهازيج وعلى وقعها (أو هكذا خيل إلى حينئذ) يحرك الرجل رأسه يمينا ويسارا الى أن يغيب الجميع عن ناظري شمالا أو جنوبا.
بعد خمسين عاما، وبعد أن غاب هذا المشهد الى الابد، وبعد أن إعتدنا مشهد القطارات المقلوبة والمحترقة، وبعد أن نأسف لطول المقدمة، أخبركم الان من كان هذا الرجل؟ وماذا كان يفعل؟ إنه مراقب سلامة السكة وصيانتها، الذي كانت مهمته ملاحظة أي خلل قد يطرأ على توازي وثبات فرعي المسار الحديدي في القطاع الطولي المخصص له، أما حركة رأسه يمينا ويسارا فكانت لالتقاط أي ظواهر غير مألوفة في مسامير تثبيت القضبان المتتالية تبادليا على الجانبين، وعرفت أيضا لماذا كانت القطارات (البدائية وقتها) تصل في المواعيد المقررة، وكانت صافراتها المميزة هي الوسيلة المتاحة لمعرفة الوقت بدقة في طول البلاد وعرضها، في ثالث أقدم خط حديدي في الدنيا أنشأه (المستعمرون).
كان ذلك هو أحد ملامح ثقافة الجودة، التي كانت سائدة في مرافق الدولة المصرية حتى منتصف القرن الماضي، الثقافة التي كان ينتج بها (ياسين) الزجاج، وينتج بها (الشوربجي) الأقمشة القطنية، وينتج بها (عبود) السكر والسماد في طول البلاد، ولم تكن تشب الحرائق يوميا في متاجر ومخازن داود عدس وشيكوريل وبنزايون، انها ثقافة الجودة، الثقافة التي أفرزت طلعت حرب في الاقتصاد، وطه حسين ونجيب محفوظ في الادب، وسعد زغلول ومكرم عبيد وجمال عبد الناصر زعماء، وناجي وشوقي وحافظ شعراء، وموسى وهيكل صحافيين، ومختار وأم كلثوم في الفن، وغيرهم وغيرهم، كل ذلك قبل مئة عام، قبل أن يكون للجودة مسميات لاتينية، وأرقام طويلة ومؤهلات لا تمنح إلا بشق الأنفس، وعلامات لا يمكن وضعها على منتج إلا بعد إجراءات معقدة ودولارات هذا عددها.
إلا أن المؤكد أن الرجل الجالس على هذا الكرسي (المتحرك)، كان ينفذ برنامجا أكثر دقة، برنامجا مطبوعا في جيناته، وهو برنامج الضمير الحي الذي ورثة من أجداده، أجداده الذين صنعوا معجزات هندسية في الماضي البعيد والقريب، لا يزال العالم كله يحتار في تفسيرها إلى اليوم، لكن ماذا حدث في كل مرافق الدولة المصرية، لماذا أصبح الإهمال والتواكل والغش والتدليس والرشوة والنصب والاحتيال بالإضافة بالطبع لـ(الفهلوة)، لماذا أصبحت تلك القائمة الطويلة هي البديل لبرامج (المراجعة والتحكم والتوكيد)، المعتمدة في كل المجتمعات المتحضرة لتحسين جودة الحياة الإنسانية، ولماذا أصبحت هذه القائمة الطويلة من الموبقات هي برنامج الجودة المحلي، الذي ابتكرناه، ونحصد نتائجه الباهرة: تنقلب القطارات وتنتشر الحرائق وتتصادم السيارات وجها لوجه وتغرق السفن وتسقط الطائرات وتنهار البنايات وأصبح غذائنا مسمما وتعليمنا مهلهلا وقضائنا ظالما ومنتجنا كله عوار كما وأصبح هوائنا ملوث ومياهنا آسنة وتم مسخ البشر وتحويلهم لأشباه آدميين مسلوبي الفكر والارادة..
إن ما يتعرض له الإنسان من قهر في هذه البقعة المظلمة من الدنيا، في هذه الحقبة المظلمة من التاريخ، قهر السلطة السياسية، وقهر السلطة الروحية، وقهر القوانين المتكلسة، وقهر الاعراف البالية، كل هذا القهر أفقده الأمل في الحياة التي يعيشها، إنسان لم يعد له حياه يسعى للحفاظ عليها فهو يمشي مرتديا لحده وأمامه القبر الفارغ الذي يفغر فاه في وجهه ويهم بابتلاعه،هكذا لقنوه في الميديا ودور العبادة والمدرسة، فلماذا يصون السكة اذا كانت كل السكك تؤدي الى باب القبر، ولماذا يدقق في زرعته أو صنعته أو مهنته، فالامر لا يستحق كل هذا العناء، فنحن جميعا في انتظاره، في انتظار الموت،نعم هذه هي الثقافة المقررة على هذا الانسان في هذه المنطقة من العالم، ثقافة إنتظار الموت ومتلازمتها الأزلية التوأم ثقافة الرزق الساعي إلى الأبواب، هاتان الثقافتان اللتان لا يستقيم معهما أي نشاط انساني، يكون هدفه المساهمة في إعمار هذا الكون وتقديس نفحة الحياة التي وهبنا الخالق، فبينما تنهمر الابحاث والمخترعات على رؤوسنا كل ساعة، من أناس يبحثون في (كيف يعيش) الانسان، أي تيسير وتجويد سبل العيش و(البقاء) له، لازال آخرون غارقين في مبحث واحد هو (لماذا يعيش) الانسان، مبتدعين ومنظرين وميسرين سبل الموت و(الفناء) له.
وفي آخر الحروب (وأنا شاهد عيان) طبق المصريون برنامج جودة من ابتكارهم، ملخصه: هدف واضح وفرد محترم ومعدة مصانة،هدف تم دراسته وتحديده بكل دقة، دونما تهور أو تردد، وفرد محترم وفرت له القيادة أجواء المساواة بالاقدمية المطلقة، دون النظر لدينه أو عرقه، ومعدة مصانة طبقا لأصول تصنيعها، ويغلف كل ذلك عقيدة تحض على العمل، بأقصى ما وهب الله للانسان من يقظة الضمير وقوة العقل ورجاحة الفكر، لذا كان النصر وليدا لثقافة الجودة، الجودة التي نفتقد حدها الادنى في كل مناحي الحياة، الجودة التي يحاربها أعداء الحياة، خشية أن تستشري، ومن ثم يستخدم الناس عقولهم في التساؤلات الخطرة، التساؤلات التي ربما تطيح إجاباتها برؤوس أصنام كثيرة، هذا هو الصراع المحتدم بين إرادة الحياة، المتمثلة في السعي الدؤوب لتحسين أحوال انسان (حي) وثقافة الفناء المتمثلة في تمجيد أحوال انسان (ميت).
وفي زيارتي الأخيرة لمسقط رأسي، إنتابتني موجة حنين جارف لجلسة صباي الأثيرة على محطة القطار القديمة، ولم أدهش كثيرا عندما رأيت شجرة (سنط) كثيفة متغولة، تنفث الاشواك على الرصيف المتهالك، وبعض نخلات عجفاء عقيمة برزت في الفوضى المخيمة على المكان، وأسراب الغربان متراصة ساكنة على أعمدة الاشارات العاطلة، وكأنها في انتظار زلزال، والكلاب الضالة تضطجع آمنة أسفل الجدران الرطبة للمبنى الفيكتوري المتهدم،وزواحف وهوام من فصائل كثيرة عششت في المكان، ونبات الحلفا يبرز من بين فواصل بلاط الأرصفة، وحروف باهتة على لوحة عرجاء تستند على بقايا سور، والمقاعد الخشبية المتآكلة تبدو كهياكل عظمية لجيف متحللة، والمجرى الرائق أصبح مستنقعا مغطى بطبقة آسنة سميكة، يبرز منها أطراف دواب نافقة وعلى جانبيه أكوام أزبال كثيفة لمدينة بكاملها رائحتها تزكم الأنوف.
عدت أجر أذيال الخيبة يعتصر الالم قلبي الحزين.

عيد اسطفانوس

كاتب من مصر

Advertisements

Responses

  1. […] This post was mentioned on Twitter by Qwaider Planet, Abe star . Abe star said: ثقافة انتجت طلعت حرب وعبدالناصر وشوقي وهيكل وام كلثوم: في آخر الحروب عندما طبق المصريون برنامجا للجودة من ابتكارهم → http://bit.ly/92AYZy […]


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: