Posted by: hamede | July 12, 2010

أموت.. بس أفهم ؟

الحكومة الأردنية أعلنت , في مؤتمر صحفي مشترك عقده سبعة وزراء , أنها أنجزت , حتى نهاية أيار المنصرم أي بعد مرور خمسة أشهر على تشكيلها, 42% من “خطتها التنفيذية” للعام الحاليأي أنها أنجزت بالضبط حصة خمسة أشهر, بما يفترض أن يؤشر على أنها سوف تنجز حتما ال 58% الباقية في السبعة أشهر المتبقية . هذه الخطة التنفيذية التي وضعتها الحكومة لنفسها , تشمل سبعة محاور هيمحور تفعيل المساءلة وقياس الأداء الحكومي, ومحورالحث على المشاركة السياسية والمدنية, ومحور تحسين مستوى ونوعية الخدمات المقدمة للمواطنين, ومحور تمكين ودعم كفاءة المواطن الأردني من خلال تزويده بالمهارات اللازمة للدخول إلى سوق العمل, ومحور تحفيز النمو الاقتصادي والمضي قدما بمشروعات البنية التحتية الكبرى, ومحور تحفيز بيئة الأعمال والاستثمار ,ومحور توسيع قاعدة الطبقة الوسطى وحماية الطبقة الفقيرة. وتضيف الحكومة أنها في المحورين الأخيرين كان إنجازها لخطتها بنسبة 51 % لكل منهما.. وانتبهوا, هي لا تخلط الأرقام لتصل لنسب تقريبية من مثل “أكثر من النصف “, فأرقام الحكومة دقيقة, محسوب فيها حتى الواحد بالمئة

الحكومة كانت قد أعلنت,عند تكليفها, أنها ستعتمد في عملها منهجا واضحا ومحكما يحدّد المساراتِ والاتجاهات المطلوبة لتنفيذ كتاب التكليف عبر منظومة من البرامج والخطط التنفيذية والأهداف, وضمن “اطر زمنية محددة ومعايير أداء معلنة وقابلة للقياس”.. والأخير يبدو أنه إنجازها المتفرد
 ولهذا أنا “أموت بس أفهم” كيف تسنى للحكومة أن تقيس , وصولا لنسبة واحد بالمئة أو حتى أقل, أمورا مثل تحسين مستوى ونوعية الخدمات المقدمة للمواطنين ,على تعدد تلك الخدمات وتباينها واختلاف القائمين عليها ومن يتلقونها والبيئات والظروف التي تقدم فيها, لتخرج علينا بدرجة 42% بالمئة وليس 43 او 41 ؟

وكيف أمكنها أن تقيس نسبة “تحفيز النمو الاقتصادي” الذي تختلط فيه أمور سياسية داخلية وخارجية مع أمور مالية واقتصادية وأخرى تشريعية, وأيضا اجتماعية ونفسية وحتى طبيعية, مما لا يمكن الإحاطة بتفاصيله لأية مجموعة بشرية, ناهيك عن إحداثة وضبطه وقياسه عند نقطة زمنية هي نهاية شهر ايار, وبهذه الدقة! ومثله قياس “تحفيز بيئة” الأعمال والاستثمار, وليس إحصاء الأموال التي ترد للاستثمار أو حتى طلبات الاستثمار ؟؟

فحتى وضع قانون بظن أو زعم انه يحفز الاستثمار, لا يعطينا أي مؤشر علمي على كم بالضبط ” حفز” هذا الإستثمار الذي هو ” في بطن المستثمر”, إلا بعد فترة أطول بكثير مما تتحدث عنه الحكومة , فكيف توصلت الحكومة لقياس نسبة هذا “الحافز” بدقة توازي قياس السكر في الدم .. مع أن الأخير لا يعطي نتائج قابلة للإعلان بعد يوم او ساعات لأن السكر قد ينزل او يرتفع خلالها لأكثر من عامل ؟
أما الطبقة المتوسطة والفقيرة, فماذا تعرف عنها هذه الحكومة, وسابقاتها من الحكومات التي لا تأتي بتأهل شعبي بل تسقط على الناس بفعل عوامل غير قابلة للقياس في حد ذاتها

وهذه الحكومات كلها تعمدت أن لا تقوم بمسح شامل وحقيقي للدخول والنفقات , خاصة بعد أن تماهت الطبقتان الوسطى والفقيرة, وبقي أغلب ذلك التماهي سرا كون الشكوى لا ولم ولن تفيد , فتؤثر أفواج العائلات المرحلة يوميا من الطبقة الوسطى للطبقة الفقيرة أن تبقى عائلات “مستورة ” على الأقل ؟

وبعد أن يترك الفقر ليعشش لسنوات بل وعقود, ويتوالد ويخلف ألف مشكلة ومشكلة , كيف يمكن الحديث عن تحقيق الحكومة لحماية للطبقة الفقيرة بنسبة 51% , أي لآخر واحد بالمئة ؟! حتى كريم الحماية الواقي من الشمس, والذي يصنّع في مختبرات علمية تحسب الكمية الميكروسكوبية لمكوناته ومكونات الجلد البشري, يكتب عليه أنه يحمي بنسب مئوية عشرية (خمسين او ثمانين أوتسعين بالمئة) ولا تقول أكثر المختبرات العالمية المنتجة له تطورا ودقة أنه يحمي بنسبة 51 %

أما تأهيل الشباب , وهم حتما المعنيون – لاعتبارات عدة منها كونهم من يعاني أكثر من البطالة المرتفعة – بالحديث عن “تأهيل المواطن لدخول سوق العمل”.. فكيف يمكن أن تكون الحكومة أهلت ذلك المواطن في فترة لا تكفي لجمع المعلومات عنه وعن السوق ناهيك عما يتطلبه التأهيل ذاته, وتكون أهلته بنسبة قابلة للقياس والقول أنها 42% لا أقل ولا أكثر.. ولو فعلت هذا, هل كان يمكن أن يدير لها الشباب ظهورهم وهي التي ظنت أنها ستلعب بهم لعبة الانتخابات القادمة وتقلب نتائجها على” الكبار” بكل المعايير في تلك اللعبة؟

وهذا يقودنا لمحور”الحث على المشاركة السياسية والمدنية “, والتي استهدفت الحكومة فيها الشباب تحديدا وصراحة وفتحت لهم فروعا مؤقتة لدائرة الأحوال المدنية في جامعاتهم.. ومع ذلك لم يسجل من السبعمائة وخمسين ألف ناخب غير مسجل ,غالبيتهم الساحقة من الشباب الصغار, سوى مائة وعشرين ألف ناخب جديد جلهم سجل لأسباب عشائرية وخاصة لا علاقة لها بتلبية دعوة الحكومة.. وهذا هو المؤشر الوحيد القابل للقراءة الرقمية الدقيقة ويمثل 15% , وليس 42 % . وهو رقم قابل لنقصان وليس للزيادة لأن القاعدة الإحصائية لنسبة المقترعين من بين المسجلين كناخبين تراوح حول النصف

وبقراءة الخط البياني للتراجع الطردي لنسب الإقراع , ولفقدان الثقة غير المسبوق بنزاهة أو جدية أو حتى جدوى الانتخابات ,المجمع عليه شعبيا ونخبويا , فإن النسبة ستنخفض كثيرا عن المتوسط المعتمد وتخفضه معها في التقييمات اللاحقة . وهو ما يجعل إعلان الـ 15 % كمعدل نجاح لهذا “الحث” الحكومي غير وارد . فما هي معطيات القياس الحكومي الذي رفع نسبة تقييمها لنجاحها ؟؟

وهذا بدوره ينقلنا إلى ما حدا بالحكومة لإعلانها هذا. فهي قدمت له بالإشارة إلى ” ما التزمت به الحكومة أمام جلالة الملك عبد الله الثاني, وذلك ترسيخا لقيم الثقة والمسؤولية والمساءلة وتكريسا لنهج الشفافية وتأكيدا على الالتزام بالتوجيهات الملكية التي تؤكد دائما على أهمية أن يكون المواطن على معرفة واطلاع على كل ما تقوم به الحكومة ومؤسسات الدولة من خطط وبرامج”. وبعض هذا الحديث غريب

ف ” الثقة والمسؤولية والمساءلة ” اصطلاحات دستورية تحكم عمل الحكومات الأردنية , ولا يجوز التصرف بها في أي خطاب وكأنها توصيفات بلاغية في نص أدبي. ف” الثقة ” بالحكومة تؤخذ من مجلس النواب تحديدا وهو يستطيع نزعها متى شاء ( المادة 53 من الدستور ), والحكومة “مسؤولة” أمام مجلس النواب عن سياساتها وهو الذي “يسائلها” بل ويتهمها ويحيل أيا من أفرادها للمحاكمة ( المواد 51 , 54, 56,96 من الدستور ) , و”أوامر الملك الشفوية او الخطية لا تعفي الوزراء من مسؤوليتهم” ( نص المادة 49). أما محاولة الحكومة استبدال الأحكام الدستورية بحيث تصبح السلطة التنفيذية محاسبة أمام ذات السلطة التنفيذية , فهو غير جائز بتاتا (وقد نبهنا له في مقالة سابقة لنا من على هذا المنبر), ومحاولة الهروب إليه يعكس أزمة الحكومة وبالذات في مجال ” الثقة” بها وبسياساتها
والأخير هو ما يستشف من مجريات المؤتمر الصحفي, والذي وصفته الصحافة المستقلة و شبه المستقلة, بفشل الفريق الحكومي في ” تسويق الخطة الحكومية والإنجازات التي تحققت..الوزراء كانوا في مواجهة أنفسهم قبل أن يواجهوا الصحفيين”. وتكرر وصف ” حالة الارتباك وعدم التنسيق وقلة الخبرة ” التي بدت على بعض الوزراء.. والصمت التام المحرج لوزير التنمية السياسية, والضحكات والأحاديث الجانبية المتبادلة بما لا يعكس جدية, وبخاصة تمرير ورقة من وزير الداخلية لوزيرة التنمية الاجتماعية أضحكتها وعدد من الوزراء فأصر وزير التعليم العالي على معرفة فحواها.. وامتلاء القاعة بمديري إعلام ومديري مكاتب ومرافقين للوزراء بما يزيد على عدد الصحفيين المدعوين (بعض الصحافة لم تدع).. وقيام وزير الإعلام, بإيعاز من وزير الداخلية, من مقعده ليقف إلى جانب الوزراء ليحثهم على اختصار كلماتهم المعدة والتي وصفت بأنها كانت “مختصرة”أصلا, ومع ذلك لم يجر استثمار للوقت فكثر تكرار ما قيل وكثرة الحديث عن “الشفافية”.. وتوقفت أكثر من صحيفة عند تغير نبرة حديث وزير الداخلية نائب رئيس الوزراء الآمرة لتصبح ” متوددة ” للصحافة مؤكدا مكررا أن الحكومة “شفافة”.. والطريف ما نقل عنه في سياق حديثه عن حرص الحكومة على أن تصل تفاصيل الخطة والإنجاز لأكبر قدر من المواطنين ,وأنه بدون الإعلام ” لن تصل – أي الخطة – للناس ولن توضح أهدافها المعلنة وغير المعلنة”

أنا هنا لا تهمني الخطة, بأهدافها المعلنة و”غيرالمعلنة”, ولكنني حتما مهتمة بمعرفة الآلية التي توصلت لها حكومتنا دونا عن حكومات العالم كله وخبرائه وحتى علمائه, بحيث أمكنها أن تقيس هذا الذي لا يقاس إلا بنسب فضفاضة للغاية, وبهذه الدرجة من الدقة التي تتجاوز” المخبرية “.. هذا ما ” أموت.. بس أفهمه”
 
توجان فيصل

Advertisements

Responses

  1. […] This post was mentioned on Twitter by Qwaider Planet. Qwaider Planet said: RT @hamede1: أموت.. بس أفهم ؟ #Uncategorized → http://bit.ly/b4LVPo […]


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: