Posted by: hamede | September 29, 2010

ابو خالد·· غائب جسداً وحاضر ابداً

كل الاحزان تبدأ كبيرة ثم تصغر الا الحزن الناصري، فقد بدأ كبيراً وما يزال، منذ اربعين عاماً، يكبر ولا يضمر·· يتجدد ولا يتبدد·· يتعمق  ويتعتق ولا يغادر شغاف القلوب·
كل الاقمار تسطع ثم تغيب الا القمر الناصري، فقد لمع مع اطلالة ثورة يوليو وما يزال يسطع ولا يخبو·· يتوهج ولا ينطفئ·· يشع ويتألق ويطل على امته من اعالي التاريخ·
كل السيوف تتصرم ثم تتثلم الا الحسام الناصري، فقد ابتدأ صارماً وما يزال، منذ العدوان الثلاثي، قاطعاً لا ينبو·· صقيلاً لا يصدأ·· مشرعاً ومسلولاً على مدى الزمان·
كل الليوث تهجم ثم تحجم الا الغضنفر الناصري، فقد اقتحم معاقل الرجعية والامبريالية منذ عقود، وما يزال اقتحامياً لا يتقهقر·· ثورياً لا يتهيب·· مقداماً باسلاً وطليعياً يداوم في ذاكرة النضال·
جسدياً، غاب جمال عبدالناصر في مثل هذا الوقت منذ اربعين عاماً·· فاضت روحه غدراً او قضاءً وقدراً – الله اعلم – ولكن عبدالناصر الروح والقدوة وقوة المثال ما يزال ماثلاً في مشارق الوطن العربي ومغاربه، ليس في منظور انصاره واحبائه فحسب، بل وعلى صعيد خصومه واعدائه ايضاً·
نعم، لقد غاب نضاله ولكن لم يغب مثاله·· غاب جهاده ولكن لم يغب اجتهاده·· غاب حضوره ولكن لم يغب جمهوره·· غاب جسده ولكن لم يغب مجده ووعده، ذلك لان الناصرية ليست مجد الماضي العربي فقط، بل وعد المستقبل ايضاً·· ليست وراءنا على قارعة الامس، بل امامنا على مشارف الغد·· ليست تجربة تاريخية استنفدت اغراضها، بل هي مشروع سرمدي يلبي طموحات الاجيال القادمة، ويملك كل الزخم والحيوية والفاعلية والقدرة على البقاء والارتقاء·
لو لم يكن عبدالناصر شامخاً في الميدان، ولو لم تكن الناصرية ساهرة في العقل والوجدان، ولو لم تكن الجماهير العربية مسكونة بالوعد الناصري المحتوم، لما تواصلت الحرب عليهم كل هذه العقود والاعوام، ولما تحالفت ضدهم كل هذه الجموع من الاعداء والعملاء، ولما تخصصت الاقلام وتكرست الصحف والفضائيات لشيطنتهم وتسفيلهم وهجائهم على مدار الساعة·
تبت ايديهم والسنتهم واقلامهم، فهؤلاء الخونة يعرفون ما يصنعون، وهم يدركون ما يريدون ويستهدفون·· انهم لا يحاربون الماضي بل الآتي·· لا يطلقون الرصاص على التاريخ بل على المستقبل·· لا يحاولون تشويه التجربة التي كانت، بل المشروع الوحدوي والنهضوي الكائن على الدوام، والمؤهل وحده لاقالة الامة من عثراتها، وانقاذها من براثن الخراب والضياع·
ما اكثر الثورات والحركات والانقلابات التي اجتاحت الوطن العربي على امتداد نصف القرن الماضي، وما اغزر القيادات والقامات والزعامات التي عبرت التاريخ العربي خلال تلك الفترة، ولكن احداً لا يأتي على ذكر تلك الثورات والقيادات بالخير او الشر·· بالمديح او التجريح، بينما لا يكاد يمر يوم دون ان نسمع من احدى الفضائيات النفطية، او نقرأ في احدى صحف التمويل الاجنبي هجوماً على عبدالناصر، وتهجماً على الناصرية والاشتراكية والقومية العربية·· ربما مصداقاً لقول الشاعر المتنبي ··
واذا اتتكَ مذمتي من ناقصٍ   
                                         فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ
نعم·· لقد عاش “ابو خالد” كاملاً مكمّلاً، بينما باء اعداؤه والمتحاملون عليه بافدح المثالب والنقائص والدونيات·· عاش “ابو خالد” مثالياً في خلقه الشخصي حتى ان وكالة المخابرات المركزية الامريكية التي رصدته في كل حين، ولاحقته في كل مكان، لم تستطع ان تتعلق عليه باقل نأمة او ادنى هفوة فيما يخص طهارة اليد والفرج والضمير·· ذلك لانه ظل على مدى عمره كله زاهداً وراشداً ومجاهداً ومنتمياً بالفكر والفعل لطبقة الفقراء والكادحين·
حتى لو لم يكن عبدالناصر قائداً ثورياً عظيماً، وحتى لو لم يكن صاحب مشروع قومي وتقدمي كبير، فقد كان يكفيه ما تمتع به من سجايا وشمائل وفضائل منقطعة النظير·· يكفيه ما تحلى به من شجاعة واقدام وروح استشهادية في اصعب الظروف·· يكفيه ما حظي به من مناعة اسطورية ضد الفساد الذي ما لبث – بعد رحيله – ان اهلك مصر السادات والمبارك، ثم عم سائر ارجاء الوطن العربي، وشكل وصمة عار في حياة الكثير من السلاطين والحكام·
صدقوني لو لم اكن ناصرياً منذ خمسين عاماً، لما ترددت الآن في الالتحاق بركب الناصرية، ولو لم اتعشق عبدالناصر حياً منذ عقد الستينات، لما ترددت الآن في تعشقه راحلاً يمارس الخلود في رحاب الابدية، ذلك لان هذا العملاق التاريخي مازال يشكل فريضة قومية، وضرورة مستقبلية، ومنارة الهامية، وقدوة لكل الاجيال العربية·· وقد اثبت حتى بغيابه استحالة الاستغناء عنه والافتراق عن نهجه ودربه، بدلالة هذا الواقع العربي المأزوم والمهزوم الذي فقد توازنه جراء الخروج على الثوابت الناصرية·
صدقوني ان مجرد وجود “ابي خالد” في سدة القيادة العربية، كان كافياً لاشعارنا بالامان والاطمئنان والثقة بالنفس·· كان كفيلاً بحفزنا على العطاء والفداء والتضحية بالمهج والارواح·· كان قميناً بنشر اجواء التفاؤل والامل والاستبشار والرهان على المستقبل حتى في احلك الاوقات، نظراً لما حباه الله من شخصية كاريزمية، وارادة فولاذية، ورؤية استراتيجية، وصلابة مبدئية، ونزاهة اخلاقية، وقدرة على استقطاب اوسع قاعدة شعبية عربية تربعت على مساحة القرن العشرين·
مؤخراً، صدر كتيب صغير الحجم عظيم الاهمية حول المذكرات الخاصة للعالم العبقري المصري الدكتور جمال حمدان، صاحب المجلدات الموسوعية الاربعة بعنوان “شخصية مصر” الذي قضى وحيداً ومعتزلاً عام 1993 في حادث ما يزال غامضاً وملتبساً·· هذا الكتيب الصغير الذي خطه العبقري الراحل في لحظات عزلته وصفائه، يضم بين دفتيه اشراقات فكرية ووجدانية بالغة العمق والاهمية والشفافية، وتحديداً بخصوص الناصرية التي يقول فيها : “الناصرية هي المصرية كما ينبغي ان تكون·· انت مصري اذن انت ناصري، وكل حاكم بعد عبدالناصر لا يملك ان يخرج على الناصرية، والا يكون قد خرج عن المصرية، لان الناصرية قدر مصر الذي لا يملك المصري الهروب منه·· الناصرية بوصلة مصر الطبيعية، وحتى لو رفضنا عبدالناصر كشخص او انجاز، فالمصري ناصري قبل الناصرية وبعدها”·
رحم الله الجمالين·· جمال عبدالناصر، وجمال حمدان، واثابهما اجزل الثواب·

بقلم: فهد الريماوي

almajd

Advertisements

Responses

  1. […] This post was mentioned on Twitter by Qwaider Planet, Abe star . Abe star said: ابو خالد·· غائب جسداً وحاضر ابداً #Uncategorized → http://bit.ly/cxlBFQ […]


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: